شهداء بلا أسماء أو أسماء لشهداء مفقودين، هذا هو باختصار حال ضحايا العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، جثامين وجدت طريقها إلى ثرى القرى التي احتضنت بقايا أبنائها وودعتهم في مآتم شعبية عمت مناطق الجنوب، فيما لا يزال عدد كبير من ضحايا قرى شرق صور وقضائي بنت جبيل ومرجعيون مفقودين تحت الأنقاض أو خارجها نتيجة الكم الهائل من الدمار الذي قد يستغرق وقتا لرفعه.
وبعضهم مازال مجهول الهوية إما بفعل التشويه الذي ألحقته بهم أسلحة القتل والتدمير أو نتيجة استهدافهم في مناطق بعيدة عن قراهم الأصلية، وبالتالي ضياع أية أوراق ثبوتية تدل على هوياتهم فصارت »عيونهم هي أساميهم« كما تقول أغنية السيدة فيروز.
عيترون وحولا والطيبة وصريفا وقانا والخيام قرى لها شهداؤها، ولكل شهيد قصة ولكل قصة قد يكون هناك من بقي ليرويها، وحدها روائح الموت القاتلة المنبعثة من كل ركن وزاوية وحقل وزهرة تبغ وبرتقال تعرف أن شهداء مروا من هنا أو بالأحرى ما زالوا هنا ينتظرون حتى تُغلق مقابر الجنوب المفتوحة إلى إشعار آخر.
عائلات نديم سعيد وعماد جابر والشيخ وسيم من بلدة صريفا لم تعثر كغيرها على جثث أبنائها رغم انتهاء عمليات رفع الأنقاض التي شارفت على نهايتها.
وقال محمد حمودي الذي فقد ابن عمه هشام حمودي، كانوا كلهم مجموعة واحدة هشام ونديم وعماد والشيخ وسيم وآخرون معهم حيث عثر تحت أنقاض المنزل الذي يقع في عمق البلدة على هشام وظل مصير من معه مجهولا، لم يعثر إلا على قدم لرجل قيل إنها تعود لأحد الشهداء دون أي دليل، ويضيف: مصير بعض أبناء البلدة غير معروف لأن العائلات تشتت وذهب كل باتجاه وبتوقيت مختلفين فلم يعرف من الذي مات ومن بقي حيا.
أشلاء وبقايا بشر يخرجون من تحت ركام القرى كلما ضرب معول في الأرض أو رفعت جرافة سقفا منهمرا على رؤوس أصحابه، فهذا الشهيد قد يكون ذاك وآخر قد يصير جثة في قبر غريب، هي الحرب التي تمتزج فيها الدماء وتتحول الأشلاء إلى جسد واحد. وقال لعصام مواسي ابن بلدة عيترون التي دمرت منازلها بالكامل وقتل 55 من أبنائها بحسب الإحصاء الأولي، ستة منهم يحملون الجنسية الكندية، عادوا إلى بلدتهم مطلع الصيف ليزوروا أحبة وأقارب.
هناك في زقاق ضيق متفرع من البلدة لا تزال جثث فاطمة الأخرس وأطفالها الثلاثة الكنديين مفقودة تحت أنقاض منزل الجد الذي كانوا ينزلون في ضيافته فيما أعمال البحث والتنقيب مستمرة.
شهداء عيترون مازالوا وديعة في برادات مستشفى مرجعيون بانتظار خروج المحتل الإسرائيلي الذي تتربص بعض وحداته بأطراف البلدة. عصام زار عيترون أمس متفقدا بيوتها أو بالأحرى ركامها وكان اللافت فيها الخواء الذي يدخل الخوف إلى عمق القلوب بعد أن كانت تضج بحركة أكثر من 15000 مواطن، الروائح حادة تكاد تصيبك بالإغماء و شمس عيترون حارقة.
كما عيون سكانها التي تشتعل دمعا وأسى. مفقودون هنا وآخرون هناك، مدنيون ومقاومون، البحث جار بكثافة عن مقاوم من آل قوصان فقد الاتصال بمجموعته أثناء الغارات المتواصلة التي استهدفت عيترون في الأسبوع الثاني يقول عصام فهل يا ترى سيعثر الأحياء على الأموات أم أن كتل اللهيب المتساقطة أذابتهم.
أهالي قانا الذين شيعوا 28 شهيدا أكدوا أنه لا يزال هناك أكثر من عشرين شهيدا مفقودين قد تكشف الأيام المقبلة جثثهم، فيما أعلن رئيس اتحاد بلديات صور عبدالمحسن الحسيني عن وجود 12 شهيدا مجهولي الهوية في براد مستشفى صور الحكومي ننتظر ذويهم لنتعرف على هوياتهم.
وأشار إلى أنه تم لصق ورقة على كل جثة مجهولة دونت عليها معلومات حول المنطقة التي أحضرت منها والأغراض التي وجدت معها، وأوضح أن أهالي بلدة مروحين أبقوا جثث مجزرة البلدة البالغ عددهم 21 في برادات صور نتيجة استمرار الاحتلال للبلدة.
وأكد مسؤول الصليب الأحمر في صور سامي يزبك أن امرأة من آل فاخوري مع مخدومتها السريلانكية ورجلا يدعى حسن قرعوني جميعهم من صور لم تنجح أعمال الإنقاذ حتى الساعة في معرفة مصيرهم.
بيروت ــ ثناء عطوي:
