إذا كان أحد يعيش هنا عندما دمرت تلك المنازل فبالتأكيد لم يعد حيا، هذا هو الاستنتاج الوحيد الذي يتبدى للمرء حال ولوجه قرى الجنوب اللبناني، ووفق أحدث تقرير صدر أمس عن الاتحاد الأوروبي فإنه ما بين 15 إلى 30 ألف منزل دمر في لبنان جراء القصف الوحشي الإسرائيلي للبنان على مدى 33 يوماً، وفيما يتواصل النازحون بالعودة إلى قراهم فإن جهود الإعمار مازالت خجولة وبحاجة إلى أشهر لتؤتي ثمارها.

والمشهد الوحيد الذي يمكن للناظر أن يراه في قرى الجنوب اللبناني، وتلك المتاخمة لحدود جنوب لبنان، ليس أكثر من أطلال لشوارع كانت ذات يوم تصطف على جنباتها المباني والمحال التجارية والمقاهي، باتت الآن نهرا من كتل الخرسانة الضخمة وحطام المباني وهياكل السيارات المدمرة، ورائحة الموت تنبعث من كل مكان.

قرى دبين وعيناتا والخيام وعيتا الشعب وبنت جبيل، بعض من القرى الحدودية اللبنانية التي سويت بالأرض وتحولت إلى أرض خراب نتيجة للقصف الوحشي الإسرائيلي. وبعد أن تعرض للقصف على مدى خمسة أسابيع من قبل المدفعية والطيران الحربي الإسرائيلي أصبح السير على الطريق جنوبي نهر الليطاني رحلة وسط الدمار

وقد امتلأ بالحفر الكبيرة الناجمة عن انفجار القنابل ومحطات الوقود التي فجرت والمنازل المتهدمة والسيارات المدمرة.ويقود الأهالي سياراتهم ببطء على الطريق الرئيسي في بلدة بنت جبيل التي تبعد أربعة كيلومترات عن الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، والتي تحولت إلى حطام يتخلله حديد ناتئ وشظايا الزجاج المحطم وأسلاك الكهرباء المقطعة.

ويحدق السكان العائدون في مبان مدمرة كانت يوما تمتلئ بالمتاجر والمطاعم، البعض يتوقف بسياراته عند كومة محددة من الكتل الإسمنتية والحديد، وآخرون يترجلون غير أن الأكثرية تعود أدراجها مبتعدة. وتقول إسرائيل إن «هجماتها الجوية والبرية كانت السبيل الوحيد لوقف هجمات (حزب الله) الصاروخية على شمال البلاد».

بالقرب من منزل تحطمت نوافذه وأحدثت الشظايا ثقوبا بحوائطه تشير عجوز إلى حديقة منزلها حيث توجد قذيفة لم تنفجر وسط الخيار والطماطم الناضجة، وقالت «لا أعرف شيئا. لا يمكنني أن أغادر أنا وزوجي.. لذا بقينا في الداخل وأخذنا نصلي»، ورفضت ذكر اسمها.

وعندما انسحب الجنود الإسرائيليون من جنوب لبنان في العام 2000 بعد احتلال دام 22 عاما عاد الكثيرون من الأهالي الذين كانوا فروا من الأزمة لبناء المنازل وسط حركة اعمار نشطة. وتمكن جيل كامل من اللبنانيين من زيارة قرى أسلافهم للمرة الأولى.

وكان ذلك يعني أن هناك أبنية جديدة والكثير من المباني المدمرة لم يكن بناؤها قد اكتمل بعد ولا يمكن تمييزها عن المنازل المسكونة المدمرة سوى من خلال الطوب الجديد ومواد البناء الموضوعة بجوارها. ويقول «حزب الله» ان إسرائيل «دمرت 15 ألف منزل على الأقل»،

ولا يشمل ذلك المتاجر وغيرها من المباني أو البنية التحتية المدمرة التي تبلغ تكلفتها 5,2 مليار دولار من جسور وطرق وغيرها. وجلس حسين خيل الذي يمتلك أربعة من تلك المنازل على بقايا محطة مدمرة للوقود واضعا يديه على رأسه،

وإلى جواره وضع كل ما تبقى له من ممتلكات وهو حقيبة سفر زرقاء وعصا يتكئ عليها، وقال «كان لدي أربعة منازل ولكنها سويت بالأرض...لم يبق سوى الرماد». وتشير أرقام صادرة عن الاتحاد الأوروبي أمس أنه «ما بين 15 إلى 30 ألف منزل دمر في لبنان جراء الحرب»،

حيث صرحت وزيرة التجارة الخارجية والمساعدة على التنمية الفنلندية باولا ليتوماكي، والتي تتولى بلادها رئاسة الاتحاد الأوروبي أن عمليات القصف الإسرائيلية أدت إلى تدمير ما بين 15 و30 ألف مسكن في لبنان.

وقالت في مؤتمر صحافي بعد زيارة استمرت أربعة أيام إلى لبنان وإسرائيل رافقها خلالها المفوض الأوروبي للتنمية لوي ميشال ان «حجم الدمار يعني أن مئة ألف شخص على الأقل أصبحوا بلا مأوى مناسب بينما يقترب فصل الشتاء»،

وأضافت «ليس أمامنا سوى بضعة أشهر لتأمين مساكن لهم»، مذكرة بأن «عملية تقييم الاحتياجات في مجال إعادة الإعمار بدأت للتو». وأوضحت أن «إيصال مساعدات إنسانية هو الأمر الأكثر إلحاحا»، معترفة بأن «وقف القتال حسن إمكانيات تلبية الاحتياجات الإنسانية وإمكانية الوصول الى الضحايا الذين يحتاجون إلى هذه المساعدة».

بيروت ـ «البيان» هلسنكي ـ وكالات