نذر ناشطو حملة التضامن الدولية مع فلسطين أنفسهم للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني وقدموا التضحيات الجمة في فلسطين التي تقاطروا إليها بعدما استشعروا الظلم الذي يذيقه الاحتلال الإسرائيلي للشعب الفلسطيني خلال انتفاضة الأقصى التي كانت حافزاً لإنشاء هذه الحركة.
وكان شباب وفتيات هذه الحركة يعسكرون أمام البيوت التي كان يسعى الاحتلال لهدمها في الأراضي الفلسطينية، وينظمون الاعتصامات داخل وخارج فلسطين لفضح الممارسات الإسرائيلية، الأمر الذي لم يكن يعجب الدولة العبرية التي لم يتوان جنودها عن الاعتداء على هؤلاء الناشطين، والذي وصل إلى حد قتل عدد منهم، لكن ذلك لم يثبط من عزيمتهم ويثنيهم عن مواصلة نضالهم المدني لإسماع الصوت.
وبعد بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان هب هؤلاء الناس، الذين هم أشبه بضمائر تمشي على قدمين، إلى مساعدة الشعب اللبناني في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية، مثلما فعلوا، ولايزالون، في فلسطين. آدم شابيرو، اليهودي الأميركي، وزوجته هويدا عرَاف، ابنة حيفا الفلسطينية التي تحمل الجنسية الأميركية،
كانا يتابعان عن كثب وقائع العدوان على لبنان منذ بدايته، وكانا في نيويورك حينها، فشرعا في المشاركة في التظاهرات التي كانت تنظم هناك أمام مقر الأمم المتحدة والقنصلية الإسرائيلية احتجاجاً على هذه الحرب.
يعيش الناشطان في العاصمة الأميركية، وكلما كانت تنظم تظاهرة في نيويورك كان يتوجهان للمشاركة فيها، فضلاً عن التحدث في لقاءات كانت تعقد من أجل توعية الناس على حقيقة ما يجري في لبنان، كونهما أصحاب تجربة في حملة التضامن العالمية في فلسطين، لأن ما يقوم به الإسرائيليون على الأراضي اللبنانية، لا يختلف عما كان يحدث في الأراضي الفلسطينية.
بعدها شرع آدم وهويدا في الاتصال مع ناشطين لبنانيين للاستفسار عما يحتاجونه، أو عن الأمور التي يمكنهما القيام بها لتقديم يد العون للشعب اللبناني. وبعد نحو أسبوعين من بدء العدوان، قررا ورفيقتهما الأميركية السمراء عائشة القدوم إلى لبنان لكي يروا ما إذا كان من المنطقي استدعاء المزيد من الناشطين المدنيين الدوليين، لكي ينضموا إلى المقاومة المدنية اللبنانية في وجه الاعتداءات الإسرائيلية.
في بادئ الأمر، جاء آدم وهويدا وعائشة، ثم تبعهم رفاق من الولايات المتحدة وإسبانيا وأيرلندا ومن بلدان أميركا اللاتينية فضلاً عن ناشطين عرب من مصر وسوريا والأردن والمغرب وتونس وهم يقومون حالياً بالسعي لمجيء المزيد من الناس، بعضهم من حملتهم وآخرين يتصلون بهم عبر موقعهم الالكتروني للإعراب عن رغبتهم في الانضمام إلى تحركهم الإنساني النبيل.
كان ناشطو الحملة وجمعيات أهلية لبنانية أخرى، قاموا بتنظيم قافلة من السيارات التي تحمل المساعدات، قبل نهاية الحرب بنحو ثلاثة أيام، وكانت وجهتهم مدينة النبطية الجنوبية. لكن القوات الأمنية منعتهم من مواصلة مسيرتهم على بعد كيلومترات قليلة من جنوب بيروت، وهو ما آثار امتعاضهم، رغم أنهم أُبلغوا أن سبب المنع هي أوامر مباشرة من وزير الداخلية اللبناني أحمد فتفت، حرصاً على سلامتهم.
وعن الدور الذي يعتزمون القيام به كناشطين دوليين، قالوا إنه يتمثل في دعم رفاقهم اللبنانيين والفلسطينيين، وهؤلاء هم من يقرر خطط التحرك لمواجهة العدوان وآثاره، وغيرها من النشاطات التي تسلط الضوء على ما حدث، في حين يعمل آدم وغيره من الناشطين الدوليين على دعم تحركات الجمعيات المحلية، سواء توقفت الحرب فعلاً أو استؤنفت.
وشرحت هويدا هدف تحركات المجموعة، بالتنسيق مع هيئات المجتمع المدني في لبنان، وهو فضح الوحشية الإسرائيلية، ومزاعم وبروباغندا (الحرب الدعائية) الدولة العبرية، التي كانت تقول إنها تحارب حزب الله فقط «وما نقوله نحن للعالم إنه ليس هذا ما يحدث فهي تهاجم المدنيين الأبرياء، ولا يمكن لها الفصل بين هؤلاء المدنيين والحزب، لذا نحن واللبنانيون موحدون.
والناشطون الدوليون يأتون من الكثير من أقطار العالم لإظهار رفضهم للاعتداءات الإسرائيلية، خصوصاً وأن الإعلام الغربي ركز على إجلاء الرعايا الأجانب من لبنان وحاول خديعة الناس والإيحاء بأن القصف يطال عناصر حزب الله وقياداته ومقراته، وهنا كانت الخديعة، لأن المدنيين هم من كانوا يسقطون في القصف الإسرائيلي».
ولاحظت أن تركيز الاعتداءات الإسرائيلية كان على منطقة جنوب لبنان، وكانت تسعى إسرائيل من خلال ذلك إلى إفراغ الجنوب من سكانه، ساخرة من الرسالة الإسرائيلية للمدنيين اللبنانيين التي يفهم منها أنه «إذا لم تغادروا الجنوب فستقتلون وأنتم تتحملون مسؤولية ذلك». وأضافت: «لا يمكنهم القول، المدنيون اللبنانيون أين يذهبون في بلادهم، وما كنا نسعى إليه، من خلال القافلة، هو تشجيع الناس على البقاء من خلال نقل ما يمكنهم على الصمود هناك».
وأكدت هويدا أنه كان واضحاً لهم أن إسرائيل كانت تستهدف المدنيين، وكان من الممكن أن تقوم باستهداف القافلة فيما لو واصلت طريقها، خصوصاً وانها لم تتردد في قصف قوافل لأناس مدنيين، مشيرة إلى أنها قامت، قبل المباشرة في التحرك، بالاتصال بقنصليات غربية، وبوسائل إعلام أميركية، وتحدثت إلى شبكة «سي أن أن» وأعلمتهم بأنه «لا يحق لإسرائيل ضرب المدنيين، ونحن نعارض ذلك، وسنواجهه، وهذا حقنا، وأنه إذا ضربتنا إسرائيل يجب أن نكون جاهزين لذلك، وعليها أن تعلم جيداً من هم هدفها».
ومع توقف العدوان بناء على القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي الحادي عشر من الشهر الجاري تقول هويدا، بحماسها الفلسطيني وإن كانت تعبر عنه باللغة الإنجليزية، إنه رغم توقف الحرب الإسرائيلية على لبنان فإن الحاجة لمواصلة تحركهم تبقى قائمة، بسبب استمرار السياسة العدوانية الإسرائيلية في المنطقة.
وعن الفرق بين ما شاهدوه ولمسوه من الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وما عايشوه من هذه الممارسات في لبنان، قالت عرَاف: «في فلسطين ترى الجنود الإسرائيليين على الأرض وتراهم أمامك ويقومون بمهاجمة الناس مباشرة، ولكن هنا في لبنان فإنهن يعتدون على المدنيين وهم في طائراتهم. هذا الأمر يحدث أيضاً في الأراضي الفلسطينية، بنسبة أقل،
وخصوصاً في غزة، قبل وبعد انسحابهم من القطاع، وخبرتنا في الأساس هي في مواجهتهم على الأرض، ولكن هناك أشياء تبقى هي هي، سواءً على الأرض أو من الجو، فالعدوانية ذاتها والدمار وقتل الناس والقضاء على قدرتهم على الحياة وطرد الناس من منازلهم وجرائم الحرب التي شاهدتها هناك، هي ذاتها هنا.
والأكثر من ذلك، هو ذاك الحق الممنوح لإسرائيل للقيام بما تقوم به تجاه الشعبين الفلسطيني واللبناني، هو ذاته أيضاً، وهذا ما يدفع الناس لرد الفعل والتحرك، لأن المجتمع الدولي ليس مستعداً لاتخاذ أي خطوات عملية. فالأمم المتحدة، التي أنشئت من أجل حماية الشعوب، وقفت عاجزة أمام ما يحدث في البلدين، ومن هنا يأتي تحركنا الذي لن نتوقف عن الالتزام به».
آدم وهويدا، اللذان تزوجا في القدس في العام 2000 وأصبحا معروفين بسبب هذا الزواج بين اثنين من شعبين يناصبان العداء لبعضهما البعض كانا من بين المشاركين في تأسيس حملة التضامن العالمية في فلسطين في العام 2001، أي بعد وقت قصير من اشتعال انتفاضة الأقصى بهدف حماية المدنيين الفلسطينيين من الاعتداءات الإسرائيلية.
ولفتت هويدا إلى أن حملتهم لاتزال فاعلة في فلسطين، مشيرة إلى أنهم جاؤوا إلى لبنان «لنرى ما يمكن لحملة التضامن المدنية الدولية أن تقوم به لمساعدة الناس في لبنان، ولدى اجتماعنا مع النشطاء هنا، عبروا لنا عن حاجتهم لمقاومة مدنية، لذلك قررنا أن نهب أنفسنا لهذا العمل».
آدم تحدث عن الإجراءات التي يتخذونها لكي لا يتركوا مجالاً للإسرائيليين لتبرير الاعتداء عليهم، من خلال القيام باتصالات مع وسائل الإعلام وبأعضاء من الكونغرس الأميركي وبالسفارة الاميركية وبالحكومات الأوروبية وبالأمم المتحدة «ونقول لهؤلاء جميعاً إننا ذاهبون إلى هذا المكان أو ذاك لأن من حقنا التواجد حيث نريد، وذلك لكي نحَمل الإسرائيليين مسؤولية حدوث أي شيء، لكي لا يتمكنوا من التملص من ذلك».
مع ذلك، أشارت هويدا إلى الأعذار التي قدمتها إسرائيل عندما قصفت مقراً للقوات الدولية في الجنوب وقتلت أربعة منهم الشهر الماضي، وقد «تحدث عنان عن ذلك وقال ان الاعتداء كان متعمداً، ولكن أحداً ما أخرس الأمم المتحدة»، في إشارة إلى الولايات المتحدة، التي «تقوم دائماً بالدفاع عن إسرائيل، وما نحاول فعله من خلال تسليط الضوء على ممارساتها».
حملة التضامن الدولية سبق وخسرت اثنين من ناشطيها خلال انتفاضة الأقصى، هما الأميركية ريتشيل كوري، التي قضت تحت الجرافة، وهي تحاول منع هدم أحد المنازل في رفح بقطاع غزة، وطوم هارندال، الذي كان يحاول إنقاذ طفلين من مرمى النيران الإسرائيلية في المنطقة نفسها، فأصيب برصاص الجنود الإسرائيليين، الذين لم يترددوا في إطلاق النار عليه.
كما استشهد عدد من الفلسطينيين الذين كانوا يعملون مع ناشطي حملة التضامن الدولية. ودعت عرَاف إلى ضرورة فضح الوحشية الإسرائيلية وعنجهيتها، وإلى ضرورة مقاطعة الدولة العبرية من قبل المجتمع الدولي والتوقف عن دعمها، لأنها تنتهك على الدوام حقوق الإنسان، وهو ما يحاولون، كناشطين، القيام به، سواء في الأراضي الفلسطينية أو في لبنان، أو من خلال التظاهر ضد جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل، في الولايات المتحدة.
من جانبها، شددت عائشة على ضرورة محافظة اللبنانيين على وحدتهم في مواجهة العدوان الإسرائيلي عليهم، وهو ما قالت إنها لمسته من خلال احتكاكها مع الجمعيات غير الحكومية والمدنية، التي تضم أعضاء من المناطق اللبنانية كافة، بغض النظر عن طوائفهم والمناطق التي جاؤوا منها، أو الانتماءات السياسية التي هم عليها، مشيرة إلى أن هذه الوحدة هي الكفيلة بجلب السلام لهم.
تبتسم عائشة عندما أصفها ورفاقها بأنهم أشبه بدروع بشرية، وتقول إنه إنها لا تحبذ هذه التسمية، مؤكدة أن نضالهم المدني هو محاولة للفت نظر حكومة بلاده، كونها أميركية، إلى الخلل والخروقات التي تحصل لحقوق الإنسان، وهي تستغل جنسيتها لكي تجعل صوتها مسموعاً.
هذه حال شبيبة الحملة الدولية للتضامن.. كانوا في فلسطين، حيث بقي منهم، وجاؤوا إلى لبنان، وهمهم الأساسي هو هز الضمير الإنساني، النائم، وإيقاظه على ما ترتكبه إسرائيل من فظاعات في حق الشعبين اللبناني والفلسطيني، مستغلين الحصانة التي تمنحهم إياها جنسياتهم الغربية، لإسماع الصوت... فهل من يسمع؟
بيروت ـ سهيل شهاب