وعد ورعد وصامد ونور وعلي.. أسماء كثيرة لأطفال ولدوا من رحم أمهات جنوبيات عبروا جسر الموت لتنبت على الأرض حياة جديدة. فأبناء جنوب لبنان يؤجلون كل شيء إلا ولادة الحياة. أشكال أخرى لمأساة النازحين هي تلك التي شهدتها مراكز النزوح في مختلف المناطق اللبنانية، ولادات بالجملة لنساء تركن بيوتهن ومعهن الكثيرون ممن بقوا تحت الأنقاض ليعودن غدا إلى ساحات القرى الشامخة ومعهن علي وحسن ومحمد أبطال جدد يحلمون ويبتسمون ويكملون طريق العزة والنصر.
في خضم الحرب وأيامها الصعبة ومن مراكز النزوح في شتى المناطق خرج إلى الضوء أطفال جدد انضموا إلى قوافل النازحين من الجنوب، في بلدة بيصور الشوفية وحدها ولد أكثر من عشرة أطفال، صامد هو المولود الثاني لإيمان مسلماني ابنة بلدة صريفا التي هربت مع طفلها حسين وزوجها بعد أول عدوان استهدف المدنيين في البلدة.
لم تحمل إيمان الكثير من الأغراض ظنا منها أن الحرب لن تطول، هي تعرف إسرائيل جيدا كما تقول وقد راودها حلم تكرر أكثر من ثلاث مرات قبيل اندلاع الحرب بأيام رأت فيه طائرات ضخمة تقصف البلدة وقد تفرقت عن ذويها وذهب كل منهم باتجاه. وقالت إيمان »نحن أهل الجنوب نعرف وحشية العدو الإسرائيلي الذي خبرناه على مدى أربعين عاما لكننا اعتقدنا أنهم لن يتجرؤوا علينا بعد اندحارهم بفعل المقاومين الأبطال قبل سنوات، فعادوا لينتقموا أشد انتقام وقتلوا أطفالنا وشيوخنا ونساءنا دون رحمة فأنجبنا جيلا جديدا في عز محنتنا وسننجب المزيد من أمة محمد ليحاربوا إسرائيل في المستقبل.
تنام إيمان على سرير صغير وضع في زاوية صف مدرسي في ثانوية بيصور الرسمية، تحبس أوجاعها ودموعها على من فقدتهم من أقرباء وجيران في بلدتها أم المجازر، فيما يتكئ صامد الذي لم يكمل أسبوعه الأول على صدرها مصدرا بين الفينة والأخرى بكاء خافتا وكأنه تعبير عن ألم صامت أو قهر مدفون.
ليس هناك أصعب على المرأة من المخاض والولادة بصمت، خجلت إيمان من الصراخ أثناء الولادة فيما الناس يذبحون في كل مكان، وقالت» بكيت بشدة أثناء دخولي إلى غرفة العمليات كان حزني ووحدتي بعيدا عن أهلي يفوقان مشاعر الألم، قلقت على طفل لن يخرج من المستشفى إلى سرير ومنزل بل إلى غرفة تزدحم بثلاث عائلات تصطف على أرضها فرش إسفنج قاسية وأغراض مبعثرة، لا مياه نظيفة ولا حوض للاستحمام، أمضيت طيلة اليوم وأنا أفكر في هذه التفاصيل إلى أن حان موعد خروجي من المستشفى.
تكتم النساء أوجاعهن في هذه الظروف فالوقت ليس للنحيب والبكاء. سهى عليان التي أنجبت طفلة قبل خمسة أيام وأمضت يومها الأول ما بعد الولادة في ملجأ منطقة الشياح إثر تعرض المنطقة لمجزرة بشعة جدا على يد الاحتلال الإسرائيلي.
معظم النساء اللاتي أنجبن كن وحدهن في هذا الوضع الحرج، لا أم تواسي ولا أخت تطبطب ولا زوج بقربهن، الحرب شتّت العائلات وأضاعت اتجاهاتها والكثير من اللبنانيين لا يعرفون شيئا عن بعضهم البعض حتى اليوم، قد يكون ذلك محمولا بالنسبة لكثيرين ولكن ليس بالنسبة لامرأة تعيش لحظات مخاض صعبة كما قالت سهى،» لقد كان صعبا علي أن أكون بعيدة عن أمي ولا أعرف شيئا عن عائلتي منذ أن خرجنا من قلاوي القريبة من بنت جبيل،
أصبت بالكآبة ورحت أستغيث بالله كي يجمعني بهم مرة ثانية، وبعد ساعات اتصلت والدتي من حيث تقيم مع أشقائي في إحدى مدارس صيدا فلم أقوَ على التحدث معها سمعت بكائي الشديد وصارت بدورها تبكي وتشهق وهي تقول »الحمد لله على السلامة يا حبيبتي .. معليش يا ماما معليش«.
لم توافق سهى على تسمية طفلتها وعد لأننا لا نريد أن نبقى موعودين بالحرب كما قالت»أسميتها نور على أمل أن يرى البلد النور على وجهها بعد أيام العتمة الحالكة، عندما أنظر في عينيها أشفق عليها فهي جاءت إلى الدنيا في ظروف قاسية ليست كباقي الأطفال على الإطلاق، لا تنام جيدا ولا تأكل إلا القليل أبقى ساهرة طيلة الليل لأهدهد لها وأسكتها كي لا توقظ العائلات التي تنام معنا في الغرفة نفسها«.
ومن بيصور إلى الأشرفية حيث توجد عائلة فياض المؤلفة من الأم والأب وأولادهما السبعة، تجلس دلال على فرشة في ركن تفصله ستارة، الحر الشديد يحول دون مرور الهواء في أرجاء الغرفة، تتصبب دلال عرقا وهي تحاول إطعام مولودها نور أيضا الذي أرادته نورا للعالم كله، وقالت» لم يفارقني الحزن وأنا أضع طفلي في هذه الظروف العصيبة، كان يلزمني عملية قيصرية لكنني توسلت للطبيب أن لا يقوم بالعملية لأنني أقيم في مدرسة ولن أتحمل ظروفا قاسية وجرحا كبيرا في جسدي، تعذبت كثيرا ولساعات طويلة حتى خرج الطفل بطريقة طبيعية، عدت بعدها إلى المدرسة وحاولت أن أقوم بمهامي لكن ظروف الحياة هنا غير إنسانية«.
بيروت ــ ثناء عطوي:

