وكأنها شعوب الأرض اجتمعت على مداخل الجنوب وضاحية العاصمة بيروت في اليوم الرابع والثلاثين من بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان واليوم الأول من وقف العمليات الحربية.. ملأوا الشوارع استعدادا للانطلاق ما إن انبلج الفجر، عادوا إلى أرضهم مكللين بالمجد ليحيوا ربيع الوطن ويداووا جرح الأرض، عادوا ليقبلوا تراب الجنوب ويدقوا أوتاد بيوت جديدة في جذور راسخة، شيعوا الحرب إلى مثواها الأخير وهم الذين صلوا لنهايتها، عبروا جسورا مدمرة وأراضي مشتعلة وأجواء محقونة بروائح الدم التي فاحت من أريج العشب، وصلوا ولاقوا الأرض العطشى لوجوههم وزنود رجالهم الأشداء.
(البيان) رافقت عددا من النازحين خلال عودتهم إلى الجنوب ، ورصدت لهفتهم على تلك العودة رغم علمهم أن بيوتهم اغلبها جرى تسويته بالأرض. فما إن تجاوزت عقارب الساعة السابعة حتى بدأوا بنقل أغراضهم الموضوعة في صناديق كرتون وأكياس كبيرة ،إلى سيارات أجرة توقفت أمام أبواب المدارس ومراكز النازحين منذ ساعات الصباح لتقل العائدين إلى مناطقهم بتسعيرة جديدة منخفضة عن تسعيرة الحرب.
نسوة تلوحن بأيديهن وأخريات تبكين على فرقة من تقاسمن معهن رغيف الخبز والجوع والوجع، الطرقات نحو الضاحية والجنوب غصت بالسيارات على اتجاه واحد هو اتجاه العودة، واختنقت الجسور المدمرة بالسيارات التي اضطر أصحابها للعبور ببطء واحدة تلو الأخرى لا سيما عند جسر الزهراني والقاسمية حيث وضعت صفائح حديدية مؤقتة من قبل أجهزة الإغاثة لتسهيل مرور المواطنين للوصول إلى مناطقهم.
عائلة دهيني المؤلفة من عشرة أولاد والأم والأب تنتظر على رصيف إحدى مدارس منطقة المصيطبة لحظة الرحيل، كانت ملامحهم تشي بما يختزنه قلبهم من فرح وأجسادهم من وهن وتعب، رب العائلة نعمة دهيني كان منهمكا بتأمين رايات وأعلام لبنان وحزب الله ليعلقها أعلى سيارته ويدخل بها أبواب قريته طورا القريبة من مدينة صور.
قال دهيني لم ننم طيلة الليل بانتظار هذا الساعة نتوق إلى ديارنا وحقولنا ونشعر بالقهر والذل بعيدا عن أرضنا التي ولدنا ونشأنا فيها، كان أصعب ما في الحرب هجرتنا وتشتتنا وأفضل ما عشته وأنا حي هو عودتنا اليوم إلى قريتنا، لن نتركها بعد اليوم مهما حصل ولن نحزن إذا ما وجدنا بيتنا ركاما، أقسم لك أننا سننصب خيمة على التراب ونقيم فيها حتى نعيد بناء منزلنا من جديد، المهم هو كرامتنا وحفظ دم شهدائنا والتمسك بأرضنا فهكذا نهزم العدو وبهذه العزيمة نستعيد أرضنا وأسرانا.
لم تخف الزوجة صفية دهيني فرحتها فراحت تزغرد ابتهاجا بالعودة وتشاركها النسوة المتحلقات حول أغراضهن الزغردة، تقدمت نحونا وهي تقول بلهجة تحد لن يقوى جيش العالم كله على تهجيرنا بعد أن كبدنا العدو الخسائر ولن نخافهم بعد اليوم فهم استقووا بطائراتهم ونحن واجهناهم بشجاعتنا وإيماننا بحقنا وقضيتنا، وقالت سنعود لنبني ما دمروه ونزرع ما أحرقوه ونواجه برابرة العصر بالصمود والتحدي، مؤكدة أن لا شيء يعوض المرء خسارته أرضه وشهدائه على عكس الأمور الأخرى المادية التي يمكن أن يعوضها الإنسان طالما هو حي وطالما أنه يملك الإرادة والعزيمة.
أزمة البنزين التي استفحلت خلال العدوان وقفت عائقا أمام عودة بعض النازحين في سياراتهم، فقصد الرجال إلى كل مكان لتأمين هذه المادة كي يتمكنوا من مغادرة مراكز النزوح باتجاه مناطقهم كما هو حال عائلة إيمان شحادة من بلدة مجدل زون الحدودية القريبة للناقورة. كانت إيمان تنتظر عودة زوجها ومعه البنزين لتنطلق في رحلة العودة نحو البلدة التي غادرتها قبل شهر، وقالت »أنتظر اللحظة التي سأصل فيها إلى الجنوب لأقبل الأرض الغالية،
أعرف أنني سأتأثر كثيرا عندما أرى منزلي وقد سوي بالأرض ودمر بالكامل بعد أن أنفقنا كل ما نملكه لبنائه لكني لن أتأسف فدم الشباب أغلى والدفاع عن الأرض أهم« وأضافت »همي الأول هو الاطمئنان على شباب بلدتي الذين بقوا صامدين وواجهوا العدوان بكل قوة، اشتقت لوجوههم وطلتهم وشجاعتهم ولكل تفاصيل الحياة في القرية، أعود اليوم وأنا أحمل الحلوى لأوزعها فرحا بانتصارهم ، نحن فخورون بما صنعوا ولكن حزانى على شهدائنا الذين سقطوا أبرياء متشبثين بحب هذا البلد.«
المدارس ومراكز النزوح في العاصمة بيروت فرغت تقريبا من كل العائلات باستثناء أهالي القرى الحدودية التي شهدت معارك طاحنة ولا تزال عرضة لمناوشات برية مثل بنت جبيل ومارون الراس ومركبا والطيبة وغيرها، فقد آثر أهلها البقاء إما عند أقاربهم أو في بعض المدارس ريثما تنجلي الصورة تماما، فيما توجه بعض الشبان لتفقد قراهم وأبقوا على النساء والأطفال حيث هم تمهيدا للحاق بهم فيما بعد، لا سيما بعد أن انتشر كلام كثير حول وجود عناصر لجيش الاحتلال في القرى المذكورة.
وأكدت سعده عواضه من بلدة مركبا أن القيمين على المدرسة لم يسمحوا لها بالذهاب إلى بلدتها، و طلبوا منها البقاء مع أولادها وزوجها في المدرسة حتى يستطلعوا الأوضاع في القرى الحدودية. وقالت »شعرت بالضيق عندما علمت أن عودتنا محفوفة بالخطر وبدأت الهواجس تنتابني من البقاء هنا مدة أطول، فالوضع صعب والحياة خارج المنزل لا تطاق وقد سئمت التهجير والحرب وطالبت بإيجاد حل لأهالي القرى الحدودية بأسرع وقت كي يعودوا إلى منازلهم التي يعيشون خارجها في ظروف غير إنسانية على الإطلاق«.
الحركة في القرى الجنوبية اقتصرت على خروج من بقي فيها إلى الساحات للاطمئنان على بعضهم البعض، فيما خرج أهالي مدينة صور لمواساة بعضهم وتبادل عبارات التهنئة بالسلامة، وقامت بلدية صور بتسيير عدد من الجرافات لفتح الطرقات ورفع مكبات النفايات الضخمة التي امتدت على مساحات واسعة وعمدوا إلى رش المبيدات من أجل سلامة السكان والعائدين، وكذلك فعلت معظم بلديات الجنوب تمهيدا لعودة الحياة إليها.
بيروت- ثناء عطوي:
