تزامنت الأحداث المأساوية والدامية التي يعيشها لبنان مع رحلتي الصيفية والتي بدأت من كندا مرورا بنيويورك ولندن لتنتهي في اسكتلندا. وكنت حريصة على متابعة الرأي العام لحكومات وشعوب تلك الدول في محاولة لاستشفاف آرائهم ومواقفهم تجاه الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان والانتهاكات الصارخة التي يرتكبها العدو الصهيوني بوقاحة ضد الأطفال والنساء هناك..

تلك الاعتداءات التي تمخضت عن قتل ما يقارب الألف لبناني وتشريد ما يقارب المليون لبناني من ديارهم وقراهم ليعيد ذكريات أليمة للتغريبة الفلسطينية. فالقصف الإسرائيلي لقانا والذي قتل الأطفال والنساء في نومهم العميق والذي تداولته وسائل الإعلام العربية والعالمية سيكون شاهدا حيا على بشاعة الوجه الإسرائيلي القبيح لسنوات طويلة وستتناقله ذاكرة من كتب لهم النجاة من تلك المذابح الدامية.

أولى المفاجآت التي صادفتها كان حجم مساندة ودعم الحكومة الكندية للغزو الإسرائيلي على لبنان وبخاصة أن كندا عرفت من خلال تاريخها السياسي الطويل بكونها «وسيطا محترما» في العالم، إلا أن رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر جاء ليقلب موازين السياسة الكندية رأسا على عقب بمواقفه المنحازة علنا إلى جانب إسرائيل لينهي 50 عاما من الدبلوماسية الكندية الشاقة والحذرة وليضرب بعرض الحائط مشاعر الآلاف من الكنديين من أصول لبنانية وإسلامية.

كما شاركت هاربر عجرفته أعداد كبيرة من الكنديين وبخاصة ممن ينحدرون من أصول يهودية باستثناء الكنديين الذين ينحدرون من أصول لبنانية وجنسيات عربية أخرى وباستثناء عدد لا بأس به من الأصوات الكندية المعارضة والحرة، فيما لم تتوقف الإذاعات الرسمية الكندية عن إلحاحها على المستمعين بضرورة مساندتهم لإسرائيل وخاصة في ظل المحنة التي تمر بها على حد قولها، والدعوة إلى مساندة إسرائيل معنويا وماديا.

وإن دل ذلك فإنه يدل على مدى توغل وقوة اللوبي الإسرائيلي وتأثيره في السياسات الخارجية الكندية، ولن نستغرب هذا الموقف إذا ما علمنا أن استطلاعاً رسميا للرأي العام في كندا أظهر أن 70 في المئة من الكنديين يكنون مشاعر الصداقة للشعب الأميركي.

ومن خلال متابعة الصحف الكندية منذ اللحظات الأولى للاعتداء الإسرائيلي لمسنا انحيازا واضحا من الحكومة الكندية قاده رئيس الوزراء هاربر، ما أثار غضب وحنق المهاجرين الكنديين المتحدرين من أصول لبنانية وهم جالية ضخمة لا يستهان بأصواتهم في أي انتخابات حكومية مقبلة.

فمقتل عائلة لبنانية كاملة (عائلة الأخرس) والتي يحمل أفرادها الجنسية الكندية خلال الأيام الأولى من القصف الإسرائيلي قوبل ببرود يصل إلى حد الوقاحة من قبل هاربر حين التمس العذر للإسرائيليين في قتل أبناء جاليته بقوله إن إسرائيل لم تتعمد القتل. حتى أنه ذهب إلي أبعد من ذلك بكثير

حيث وجد ما يبرر به أيضا القصف الإسرائيلي الذي أودى بحياة أربعة مراقبين دوليين بينهم كندي في جنوب لبنان بالقول إن القصف لم يكن متعمدا وأن الأمر لا يغير شيئا في حق دولة تدافع عن نفسها ضد الإرهابيين والهجمات الشرسة التي تشن ضدها ما أثار حفيظة بعض الأصوات في المعارضة الكندية والتي وجهت انتقادات لاذعة إلى حكومتها على رفضها حتى مساءلة إسرائيل عن حادثة القصف التي أودت بحياة المراقب الكندي.

وبعد كندا، توجهت إلى نيويورك، وهناك تفننت الصحف الأميركية في التركيز على خطر حزب الله على إسرائيل، ولم تتوان شخصيات سياسية أميركية بارزة عن التنديد بشيطانية سوريا وإرهاب إيران إقليميا ودوليا.

فيما كان حديث وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس عن خريطة تصور أميركية لشرق أوسط جديد فكرة رائقة لدى العديد من الأصوات في الكونغرس، أما الأميركيين فانطباعات عدد كبير منهم عن ما يحدث من تدمير للبنان لم يفاجئني، فالكثير منهم يجهل هذا النزاع والبعض الآخر بدا

وكأن الأمر لا يعنيه طالما أن الدمار والقتل ليس على أرض أميركية وليس على شاكلة 11 سبتمبر فيما جاءت إجابات العدد الأكبر منهم مؤيده لإسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها وحماية مواطنيها.. فيما يردد عدد لا بأس به من الأميركيين مقولة بوش بأن الحرب الدائرة ما هي إلا حرب تخوضها الولايات المتحدة وحلفائها ضد الإرهاب.

لم أتحدث لمواطن أميركي واحد شعر بالأسى لمقتل طفل لبناني وهو نائم أو لأم لبنانية فاجأها الموت وهي ترضع صغيرها ليصبحا جثة واحدة هامدة تحت أنقاض الدمار في قرى الجنوب اللبناني باستثناء الأميركيين من أصول عربية أو من المعارضين لسياسات بوش الرعناء. ولكن ما لفت نظري وفاجأني بصورة أكبر الشاشات العملاقة الشهيرة و المعلقة في تايم سكوير في وسط مدينة نيويورك

والتي أخذت في بث صور الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين بعد القبض عليه مباشرة من قبل الجنود الأميركيين في العراق قبل نحو عامين حيث صورته الشهيرة بوجهه المغبر ولحيته الطويلة وجسده الهزيل، ولن أستغرب إذا ما كان بث تلك الصور له دلالات وأهداف سياسية لحكومة بوش والتي يقودها جيش من المحافظين الجدد. بدا لي الأمر وكأن الحكومة الأميركية لم تتخلص بعد من «عقدة صدام حسين».

غادرت الولايات المتحدة إلى المملكة المتحدة، كنت حريصة أيضا على التحدث إلى مسؤولين في الحكومة البريطانية وإلى البريطانيين أنفسهم لمعرفة تقييمهم ورؤيتهم لما يحدث من تدمير للبنان وإن كانت رؤيتهم تختلف عن الرؤية الأميركية، ولم يخيب البريطانيون آمالي فالشريحة الكبرى منهم مثقفة وواعية تقرأ وتتابع وليسوا كالأميركيين بالتأكيد يجهلون ما يدور حولهم.

وسائل الإعلام البريطانية بما فيها الصحف البريطانية تابعت بشغف الحرب الدائرة ما بين حزب الله وإسرائيل وأجمعت، باستثناء الصحف التي تعرف بموالاتها لإسرائيل، على عدم تكافؤ تلك الحرب وانتقدت بشدة موقف رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الداعم بلا حدود للإدارة الأميركية والذي لم يناد بوقف فوري لإطلاق النار في النزاع الدائر على غرار حكومات دول الإتحاد الأوروبي الأخرى

فإحدى الصحف البريطانية لم تتردد بوصف بلير بـ «جرو» جورج بوش يتبعه أينما رحل، ولم يخف عدد من الوزراء البريطانيين تذمرهم من سياسة بلير المنحازة لبوش على غرار الملف العراقي، فبدأت أصوات وزراء مثل: بيتر هين، وكيم هاولز، وجاك سترو تتعالى وتنتقد بلير علنا عبر وسائل الإعلام وتطالبه بتحييد مواقفه السياسية عن مواقف الحكومة الأميركية التي يقودها بوش ومطالبته بوقف فوري لإطلاق النار في لبنان،

أما على المستوى الشعبي فخروج 100 ألف متظاهر بريطاني لشوارع لندن في مسيرة ضد الحرب التي تدمر لبنان والتي زعم بأنها لم تتجاوز 20 ألف متظاهر كافية لإظهار دعم الشارع البريطاني للبنان وضحاياه تلك المظاهرة التي كان وراء خروجها كين ليفينغستون عمدة لندن والذي يشتهر بمواقفه المؤازرة لحقوق العرب والمسلمين في بريطانيا

والذي ضاق ذرعا بوحشية الأعمال الإسرائيلية في فلسطين ولبنان وقبل أن تخرج تلك المظاهرة بأيام قلائل سرت في شوارع لندن وسألت البريطانيين عن انطباعاتهم الشخصية عما بدور من نزاع وعن الدمار والهلاك الذي حل بلبنان وأهله حيث أبدى العدد الأكبر من البريطانيين من مختلف الفئات العمرية سخطهم تجاه سياسة رئيس الوزراء توني بلير والتي لا تخرج عن سياسة بوش،

فيما أعرب الكثيرون عن اعتقادهم بأن الوقت قد حان لتنحي بلير عن رئاسة حكومة العمال الحالية ورأى البعض الآخر بأن بلير فقد وزنه للأمور ولم يعد حكيما سواء تجاه السياسات الخارجية لبريطانيا أو السياسات الاقتصادية لبريطانيا من الداخل والتي يتوقع أن يضربها إعصار من التضخم لم يسبق له مثيل منذ أن تولى غوردون براون رئاسة الخزانة البريطانية.

ومع تنامي التوقعات بقرب أفول نجم بلير السياسي في سماء 10 داونينغ ستريت خرج بلير ليحطم آمال المتوقعين والمتمنين على حد سواء بإعلانه البقاء لعام آخر في رئاسة الحكومة البريطانية. ومن بريطانيا توجهت إلى اسكتلندا حيث كانت نهاية المطاف، حيث آثر مواطنوها الصمت فلا أحد يريد الحديث عن الحرب ويصف البعض ما يحدث بين حزب الله وإسرائيل بالجنون، ويتساءل هؤلاء متى سينتهي.

تقرير: كفاية أولير