على مسافة عشرين كيلومتراً جنوب ـ شرق دمشق، وفي حي الحسينية بالذات، يعيش مئات من اللبنانيين الهاربين من جحيم العدوان الإسرائيلي في إحدى المدارس التي فرشت على عجل لإيوائهم. ما يميز هذه المدرسة أنها تقع في حي فقير معظم سكانه نازحين من الجولان السوري المحتل،
ولكن النازحين اللبنانيين هذه المرة، كما يؤكدون لن يبقوا طويلاً هنا لتضاف إلى سلسلة المآسي العربية مأساة أخرى بدءاً من نكبة عام 1948 مروراً بنكسة عام 1967، بل سيعودون إلى ديارهم فور توقف إطلاق النار، لأن فرارهم حدث بسبب الخشية على الأطفال.
لا رجال في هذا المركز، فقط نساء وأطفال وقليل جداً الشيوخ. تقول أم محمد إحدى اللبنانيات الجنوبيات اللواتي يقمن في هذه المدرسة: «خرجنا من أجل أطفالنا، ولولا هؤلاء الأطفال لما تركنا وطننا وأتينا إلى هنا، أما رجالنا فهم هناك يعملون ويواصلون صمودهم».
ولا تحمّل أم محمد مسؤولية هذه الكارثة إلا لإسرائيل وحدها، «فهي المسؤولة عن هذا الخراب والدمار، أما المقاومة فهي شرف هذه الأمة، وصمودها يبعث الأمل وينسي جميع الجراح». كلام أم محمد أثار الحمية في نساء أخريات فأكدن ما قالته، وزدن بأنهن «على استعداد لتقديم أبنائهن فداء للبنان وللمقاومة وللسيد حسن».
أحد المتطوعين لخدمة هذا المركز طالب دراسات عليا في إحدى الجامعات البريطانية، أتى لزيارة ذويه فتصادف ذلك مع موجة النزوح الجديدة هذه، ومنذ أقل من شهر وهو يقوم بجلب المساعدات التموينية في سيارته إلى هذا المركز. يقول هذا الطالب الجولاني المغترب واسمه خالد، «لقد ذكرني هؤلاء بما كانت ترويه لي والدتي عن عذابات النزوح من الجولان عام 1967».
ورغم أن خالد أتى أساساً لاستكمال بحثه الجامعي الذي كرسه لبحث مأساة نازحي الجولان عام 1967، إلا أنه أمضى من الوقت مع نازحي لبنان أكثر بكثير مما أمضاه مع النازحين السوريين. يقوم مسجد حي الحسينية باستلام المساعدات التي تتدفق من المتبرعين ومعظمهم من التجار السوريين بكثرة،
وتوزيعها على مستحقيها بالتساوي، فقد تحول المسجد إلى مركز للإغاثة واستقبال الهبات والتبرعات يقوم على تقسيمها متطوعون من الحي.ويبدو أن هذا النشاط الاجتماعي الإغاثي يمضي دون تعقيدات أو تدخل من الدولة، نظراً للخبرة التي يتمتع بها النازحون الجولانيون واللاجئون الفلسطينيون على هذه الصعيد.
ويأتي إلى هذا المركز لبنانيون في كل يوم، وبعد أن امتلأت المدرسة بدأ أهالي الحي باستقبال القادمين الجدد في منازلهم، فقد تطوع شاب سوري من أسرة ثرية لنقل اللبنانيين الذين تقطعت بهم السبل بعد تدمير طريق بيروت دمشق ونقطة المصنع الحدودية، فهناك دائماً كما قال لنا، من يجتاز هذا المعبر الحدودي المدمر والخطير مشياً على الأقدام، ولاشك أنه ينتظر من يقله إلى أحد مراكز الإغاثة في دمشق.
دمشق ـ تيسير أحمد