بعد شهر من الحرب لا تزال القوة العسكرية الإسرائيلية تواجه تحدي عدو أضعف منها في العدد والتكنولوجيا لكنه أجبر أكثر من مليون إسرائيلي على الاختباء أو النزوح وفي محاولة للخروج من دائرة الفشل تسعى القوات الإسرائيلية إلى تقليد تكتيكات حزب الله.
وبعد أربعة أسابيع من اندلاع المعارك لم تتحقق بعد الأهداف التي حددتها السلطات العسكرية والحكومية الإسرائيلية، أي منع إطلاق حزب الله صواريخ قصيرة وبعيدة المدى والإفراج عن الجنديين اللذين أسرا في الثاني عشر من يوليو الماضي.
وحتى الآن، لم تنجح الطائرات المقاتلة الإسرائيلية التي شنت ثمانية آلاف غارة منذ اندلاع الأعمال الحربية ولا المدفعية التي أطلقت أكثر من مئة ألف قذيفة على لبنان ولا الهجوم البري الجاري في عدة مناطق والذي يشارك فيه عشرون ألف رجل، في الحد من قصف حزب الله الصاروخي ولا في دحر الحزب.
من تكتيكات حزب الله أن مقاتليه يتنقلون مترجلين على ضوء القمر. أنهم يضعون قناصة ومراقبين لمواقع العدو على التلال. أنهم يضربون قوات العدو في نقاط ضعفها ثم يتقهقرون بهدوء.
وأصبحت القوات الإسرائيلية تستخدم مثل هذه التكتيكات بصورة متزايدة في جنوب لبنان والتي استلهموها جزئيا من حزب الله الذي يحاولون إجباره على التراجع منذ أكثر من شهر. وجاء هذا التحول في ساحة المعركة نتاجا لإدراك إسرائيل المؤلم أن التفوق العسكري التكنولوجي الهائل لقواتها الجوية والبحرية والمدرعات لا طائل من ورائه في مواجهة ميليشيا متحمسة متغلغلة حول العديد من المعاقل اللبنانية. وهي تتوعد بشن حملة شبيهة بحرب العصابات على نطاق كبير خاصة بعد أن وافقت إسرائيل على توسيع الحرب هذا الأسبوع.
وقال اللفتنانت ايال يوسينجر وهو ضابط بالجيش الإسرائيلي خلال زحف على مخابئ محتملة لحزب الله قرب قرية يارون »نحن نتعلم كلما تقدمنا.. وبسرعة كبيرة للغاية«.
وأبرز التطورات تفضيل إسرائيل بشكل متزايد لنقل الجنود مترجلين بدلا من أن يكون عن طريق حاملات الجنود المدرعة أو داخل الدبابات ميركافا ذات الإمكانيات الهائلة.
حولت فرق من حزب الله التي تستخدم أنواعا مختلفة من الصواريخ المضادة للدبابات الكثير من تلك العربات إلى مصائد موت مشتعلة وأصبح كبار القادة العسكريين في إسرائيل يؤمنون بأن المقاتلين من غير المرجح أن يبددوا أسلحة قيمة على مشاة متفرقين في ميدان القتال.
تتناثر ألياف بيضاء سميكة في ساحة المعركة والتي يمر بجوارها الجنود دون التفات يذكر. وتلك هي أسلاك التوجيه التي خلفتها الصواريخ ساجر المضادة للدبابات بعد انفجارها.
وفي حين أن القوات النظامية تقوم بمناورات جماعية تحت جنح الظلام وتقوم بعمليات تفتيش من منزل إلى منزل في قرى بها مخابئ لحزب الله فإن هناك عددا متزايدا من أفراد القوات الخاصة موجودون بهدف مباغتة مقاتلي حزب الله.
وينتشر الرماة الذين يعاونهم مراقبو أهداف العدو على التلال مستعينين ببنادق عيار 50 ملليمترا قادرة على أن تضرب من مسافات بعيدة من يفترض أنهم مقاتلو حزب الله الذين ينصبون الكمائن.
واستهدفت قوات الكوماندوز زعماء مشتبه بهم في حزب الله داخل لبنان في حملات لم تكبد إسرائيل كثيرا نسبيا فيما يتعلق بالخسائر البشرية ولكنها رفعت من الروح المعنوية للدولة اليهودية التي تعرضت لمئات من الهجمات الصاروخية عبر الحدود.
وقال يوكانان لوكر وهو بريغادير جنرال في القوات الجوية ومسؤول عن العمليات الخاصة إن »القتال داخل جبهة العدو في مكان يشعر فيه حزب الله بالأمان وبالحماية له أهمية بالغة من ناحية العمليات«.
ويبدو أن أحداث المواجهة الحالية في جنوب لنبان جاءت عكس الاحتلال الإسرائيلي لنفس المنطقة قبل 22 عاما والذي انتهى عام 2000.
ففي ذلك الحين كانت القوات الإسرائيلية هي التي احتمت داخل مواقع محصنة في انتظار هجوم من فرق حزب الله المتجولة. والآن فإن حزب الله هو الذي يتعين عليه صد الهجمات البرية الإسرائيلية بالإضافة إلى الافتقار إلى خطوط الإمداد الجيدة إلى الشمال.
ويقول مسؤولون عسكريون إسرائيليون إن نحو 20 من مقاتلي حزب الله أسروا بعد استسلام بعضهم في حين أسر البعض الآخر أثناء نومهم.
وقال اللفتنانت كولونيل اوليفير رافوفيتش الناطق العسكري »عدم وجود حذر يشير إلى المدى الذي أصبح فيه حزب الله منهكا ويمكن أن يدل على وجود صدع في صمودهم الذين اشتهروا به«.
وفي بيروت فندت مصادر في حزب الله العدد الذي تقول إسرائيل إنها أسرته من الجماعة. وقال مراقب أجنبي محنك إن الروح المعنوية لحزب الله لم تتدن فيما يبدو.
وقال نيكولاس بلانفورد وهو محلل يعمل لدى نشرة »جينز ديفنس ويكلي« ومقيم في بيروت: »ما زالت الروح المعنوية للمقاتلين الذين أقابلهم طيبة ويعتقدون أن مسار الحرب في صالحهم«.
وتم تدمير نحو ست دبابات إسرائيلية أو إعطابها بما في ذلك الدبابات ميركافا المحلية الصنع خلال الهجوم الذي تم شنه بعد أن أسر حزب الله جنديين إسرائيليين وقتل ثمانية آخرين في غارة عبر الحدود يوم 12 يوليو. وتكبد الجيش الإسرائيلي خسائر بلغت نحو 20 فردا من أفراد أطقم الدبابات وهو معدل غير مسبوق خلال الربع قرن الماضي من الحملات العسكرية الإسرائيلية.
ومضى بلانفورد يقول »هذا يبرر لجوء الإسرائيليين إلى تبني التكتيكات البرية لتلائم حرب العصابات التي يواجهونها... كانت الدبابات في العادة هي أكثر الأسلحة تفضيلا لدى الجيش الإسرائيلي على الأرض ولكن هذه المرة أثبتت أنها عنصر غير منيع«.
طورت شركتا أسلحة إسرائيليتان نظم دفاع تعمل بالطاقة الكهرومغناطيسية للمدرعات التي تدمر الصواريخ في الهواء قبل أن تصيب أهدافها ولكن ما زالت تلك النظم في طور النموذج الأولي. وقالت صحيفة يديعوت أحرونوت انه تم تسريع الإنتاج لتزويد الدبابات المتمركزة في لبنان بهذه النظم.
وأعلن وزير العدل حاييم رامون العضو في الحكومة المصغرة أن »هذه الحرب التي فرضت علينا، يجب أن ننتصر فيها«. في وقت اعترف رئيس الأركان الجنرال دان حالوتس علنا أن هذا النزاع الجديد »أهم بكثير من الحروب التي سبقته باستثناء حرب الاستقلال« عام 1948.
وذكرت الصحف أن الجنرال حالوتس يعتبر أن هذه الحرب يجب أن تسمح باستعادة قوة ردع الجيش التي تآكلت كثيرا في نظر العالم العربي الذي يشيد ببطله الجديد الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. ويبدو أن الجيش فوجئ بشجاعة ومثابرة مقاتلي حزب الله.
(رويترز - أ.ف.ب)

