لطالما سلك اللبنانيون طريق بيروت دمشق على الخطين، وعلى الخطين كانوا يتوقفون في منطقة تقع في البقاع، هي منطقة شتورا التي اشتهرت ببيع الألبان والأجبان لكثرة المزارع فيها.
فمنذ 12 يوليو بات التوقف في شتورا لابتياع المأكولات مستحيلاً لا بل يشكل خطراً كبيراً على حياة من يهوى المغامرة. الرحلة بين بيروت ودمشق التي كانت لا تتعدى تكلفتها 50 دولاراً أميركياً وصلت اليوم إلى ألف دولار أو أكثر.. أما الرحلة بين دمشق و بيروت فأصبحت تساوي 500 دولار والسبب هو مخاطرة السائق بحياته ليوصل المسافر إلى بيروت.
حركة الحدود مرهونة بالوضع الأمني، فمنذ أيام تستمر الطائرات الإسرائيلية بدون طيار بقصف العديد من المواقع القريبة من الحدود اللبنانية السورية بسبب المزاعم الإسرائيلية عن تمرير سلاح إلى حزب الله عبر عدة نقاط حدودية.
ولكن بنوع الإجمال، لا يشعر المسافر بالتشنج قبل عبوره الحدود إلى لبنان، وبعد تخطي ما يعرف بنقطة الجمارك، والتوجه داخل لبنان، لا يمكن إلا أن يلفت المسافر مشهد الطريق المقفرة، فالاستراحات ومكاتب تحويل العملات على جانبي الطريق والتي كانت تعج بالمسافرين أيام السلم مقفلة.
نقطع نحو 10 دقائق داخل الحدود اللبنانية، والآن يجب أن نحول وجهة سيرنا إلى طريق جبلية وضيقة وهي الوحيدة التي لا تزال سالكة والتي يطلق عليها اسم طريق زحلة - ترشيش.
زحلة هي عاصمة البقاع، أما ترشيش فهي قرية تقع في أعالي منطقة المتن اللبنانية الجبلية. هذه الطريق كانت تعتبر فرعية جدا، وهي قاسية وتكثر عليها المنعطفات لدرجة أن لجنة سباق السيارات اللبنانية كانت تعتمدها إحدى أهم مراحلها الخاصة في السباقات الموسمية للسرعة. التحويلة إلى هذه الطريق لم يقررها السائق ولا المسافر بل حفرة ضخمة خلفها استهداف المقاتلات الإسرائيلية للطريق الدولية عمداً بهدف قطعها.
ويروي محمد السائق الشجاع حال الطريق الدولية المنسوفة، ولا يرضى إلا أن يصف بالتفاصيل والطريقة التي نسفت بها الطائرات الحربية الإسرائيلية جسر ضهر البيدر، الذي انتهت الحكومة اللبنانية من إنجازه منذ أعوام قليلة، هو جسر معلق، الأعلى في الشرق الأوسط.
ويصف لك محمد مرة أخرى الصورة التي بثتها جميع قنوات التلفزة عن هذا الجسر الذي يبلغ ارتفاعه أكثر من 75 متراً، والذي بقي سالكاً جزئياً رغم القصف، حتى تم التركيز على أعمدته بطريقة محكمة أدت إلى تدميره وتعطيله بالكامل.
ويدور الحديث بينما نسلك طريق زحلة ترشيش، التي لا يكف محمد عن وصفها بالآمنة مسنداً أقواله بواقع سلوكه إياها مرتين على الأقل كل يوم... وبقائه على قيد الحياة.
ولكن محاولات الطمأنة تبقى محاولات إذ تنتشر على هذه الطريق، شاحنات، وسيارات وحافلات صغيرة طالها القصف من دون إنذار وغالباً في وضح النهار.
وتطول الطريق عبر الجبال لأكثر من ساعة وبما أنها الطريق الوحيدة السالكة من البقاع إلى بيروت فتكثر عليها الشاحنات الصغيرة وبخاصة تلك التي تنقل الخضار، والمواد الغذائية والمساعدات الإنسانية.
وطوال الرحلة، لا يمكن للمسافر إلا أن يتذكر النصائح التي وردته من أكثر من مكان، وأهمها الابتعاد عن الشاحنات عند سلوك طريق دمشق بيروت. ولكن الواقع يسقط النصائح، إذ إن الشاحنات الصغيرة في كل مكان.
بعد الانتهاء من الطرقات الجبلية، يبدأ الانحدار نحو بيروت، وهنا، وعلى الرغم من الوضع الأمني المتدهور عامة في لبنان لا يمكن إلا الشعور بالأمان، فالقرى الواقعة على المنحدر نحو العاصمة تعتبر مناطق آمنة حتى إشعار آخر، وفي هذه القرى حركة سير أكثر من عادية، لأن من يملك منزلاً للاصطياف قد ترك ضجة انفجارات بيروت بحثاً عن بعض الطمأنينة.
وعند بلوغ الساحل، والاتجاه نحو المدخل الشرقي لبيروت، يحل الارتياح مكان القلق، فخلال فترة الظهيرة ازدحام سير وحياة تبدو طبيعية رغم أزمة الوقود.
لكن الليل بعيد كل البعد عن أن يشبه ليالي الصيف العادية والحارة في بيروت التي باتت تنام باكرا، ولكنها مجبرة على أن تستيقظ باكرا في غالب الأحيان، بنسائها وأطفالها ومواطنيها، وعلى وقع القصف الإسرائيلي العنيف للضاحية الجنوبية الذي يدوي صداه المرعب في كل زوايا العاصمة الخالية.