استمرت المفاوضات في مجلس الأمن الدولي أمس لإجراء التغييرات الممكنة على صيغة القرار الأميركي ـــ الفرنسي لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، وهي التغييرات التي تريدها الحكومة اللبنانية وأولها، أن ينص القرار على انسحاب فوري للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، حتى تقبل القرار، وهو ما لن يحصل، كما أثبت فشل مفاوضات أول من أمس الأحد لهذا الغرض، ما ولد الانطباع بان القرار في حال صدوره سيولد ميتاً.

وتؤكد تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، وتصريحات ستيفن هادلي مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي التي قالا فيها ردّا على رفض لبنان القرار قبل ان يتم ادخال التعديلات عليه، »دعونا نصوت على القرار أولاً« »وإنه يمثل وجهة نظر المجتمع الدولي« و»هو ليس إلا خطوة أولى« »وسيكون هناك قرار ثان خلال أيام«..

هذه التصريحات تدل على أن واشنطن لاتريد ادخال التغييرات التي يطلبها لبنان وان حصل فستكون تغييرات جوهرية وبالتالي فإن التصويت عليه واقراره المتوقع اليوم (الثلاثاء) على ابعد تقدير، سيتم حسب الرغبة الأميركية، التي لا تختلف عن الرغبة الإسرائيلية، لان القرار وبغطاء دولي، يحقق لإسرائيل ما لم تستطع تحقيقه عسكرياً حتى الآن، حسب اعتقاد كثير من المراقبين، لأن القرار وان يطلب، من إسرائيل وقف العمليات العسكرية الهجومية.

إلا أنه يطلق يدها للقيام بالمزيد من الغارات والقصف الجوي، والمرجح أن تصعدها للإجهاز على ما تبقى من البنية التحتية للبنان، وهذا يعني استمرار حزب الله في مقاومته وإطلاق الصواريخ على إسرائيل، واستمرار إسرائيل في عدوانها وتدميرها للبنان.

مما يؤكد أن القرار الذي يدور الجدل حوله سيولد ميتاً، خصوصاً وأن رايس وهادلي قللا من التوقعات المرتقبة منه، بقولهما: إنه لن يحل المشكلة، وليس إلا خطوة أولى، لإنهاء العنف والانتقال إلى مستقبل أكثر استقراراً! وكذلك اعترفا بالصعوبات التي ستعترض طريق تطبيقه، وإن قالت رايس إن على الأطراف المعنية التزاماً بأن تستجيب لقرار مجلس الأمن وإطاعته.

الأمر الآخر الذي تجدر الإشارة إليه في هذه المعركة الدبلوماسية التي تقودها رايس لإقرار القرار أن الرئيس جورج بوش حسم قراره منذ البداية، وهو أن إسرائيل تدافع عن نفسها، ولها حق الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب، ولا يزال متمسكاً بهذا القرار، برغم ما يصدر من تصريحات عن أركان إدارته بخصوص المساعي لوقف القتال.

وقد تأكد شمعون بيريز، نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي من أن موقف الرئيس بوش هذا لم يتغير خلال لقائه الأسبوع الماضي مع عدد من أركان الإدارة خلال زيارته واشنطن، وتأكد منهم انه لن تمارس أية ضغوط على إسرائيل، رغم النقمة العالمية ضد السياسة الأميركية.

ومما يؤكد أن المساعي الدبلوماسية الأميركية، ستكون محدودة ومتواضعة النتائج انها تستبعد وترفض أي اتصال أو تعاون من سوريا للمساعدة في الحل، مع أن الإدارة الأميركية تعتبرها ذات نفوذ كبير على حزب الله، وعندما سئلت رايس عن هذا الموضوع.

قالت: »إن المشكلة ليست عدم التحدث إلى سوريا، بل المشكلة في عدم الفعل من جانب سوريا«، وهو موقف انتقده عدد من زعماء الكونغرس منهم السيناتور الديمقراطي جوزيف بايرن، والسناتور الجمهوري تشك هيغل، وكلاهما من المرشحين المحتملين لانتخابات الرئاسة الأميركية، إذ اتفقا على أنه لابد من الحديث مع كل من سوريا وإيران ووضع المطلوب منهما بكل وضوح وصراحة، بأن تتوقفا عن دعم وتحويل حزب الله وان يتم التفاوض حول كل مواضيع الخلاف.

لكن مراقبين وخبراء لفتوا النظر، إلى أن القتال الدائر في لبنان ربما يتطور ويتسع ليطال سوريا، وهذا هدف يضغط المتشددون في الإدارة نحوه ويسعون لتوسيع دائرة الصراع، رغم كل المآسي التي ترتبت على السياسة التي ضغطوا ودفعوا نحو اتباعها في العراق، وما آلت إليه اليوم من نتائج، ربما تكون أشدها وقعاً على الأميركيين انسحاب القوات الأميركية من العراق قبل نهاية هذا العام وترك العراق شظايا ممزقة ويغرق في حرب دموية أهلية.

وفي مواجهة هذا المسار الذي تتبعه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموماً، وتجاه العدوان الإسرائيلي على لبنان وما خلّفه من أزمة، ازدادت الدعوات من زعماء بارزين في الكونغرس ومسؤولين كبار في إدارات سابقة إلى إيفاد مندوب رئاسي لمعالجة الأزمة، لأن رايس ليست مؤهلة لمعالجتها، وأعطوا مثالاً على ذلك أن إسرائيل وجهت إهانة كبيرة للولايات المتحدة ورايس، عندما كانت تجتمع مع وزيرة خارجية إسرائيل، ولم تطلعها على قصف إسرائيل لبلدة قانا. ولم تعرف رايس الموضوع إلا من السفارة الأميركية في بيروت. ولم تقدم رايس أي احتجاج أو اعتراض.

وقال هؤلاء إن أداء رايس لم ولن يؤدي إلى نجاح يُذكر، وقال السيناتور هيغل منتقداً موقف الإدارة ورايس، سواء بإعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل لتضرب لبنان، أو بالعمل على المسار الدبلوماسي مراهناً أنه من أصدقاء إسرائيل، ومع ذلك »إن العمل العسكري الإسرائيلي لن يدمّر ويقضي على حزب الله أو حماس، بل سيقوِّي الدعم والتأييد له في العالم العربي والإسلامي، وسيعمِّق الكراهية لإسرائيل في الشرق الأوسط، وإن كسب الحرب على حزب الله لا يكون في الميدان العسكري«.

واشنطن ـــ محمد صادق: