تلفظ مدينة صور أنفاسها الأخيرة جراء اشتداد الحصار واستمرار العدوان عليها من قبل اسرائيل، واصبحت هذه المدينة مهددة بخطر الجوع بعد أن تقطعت السبل إلى الحصول على المواد الغدائية نهائيا ونفاد الطعام وندرة الدواء وخلت محطات الوقود من المحروقات والبنزين، ما بات يهدد السكان بكارثة حقيقية تضاف إلى أزمات صحية خطيرة تجتاح المدينة في مقدمها تفشي الأمراض الجلدية كالجرب جراء انعدام أسباب النظافة إضافة إلى تمدد أكوام النفايات على مساحات واسعة في منطقة البوابة التي لم تشهد أعمال رفع للمستوعبات منذ ثلاثة أسابيع.
وترتفع أبراج الدخان السوداء فوق المدينة وتمتد نحو السوق العتيق، في وقت تطغى روائح البارود والنفايات والجثث المكدسة في البرادات على بساتين البرتقال وموانئ الصيادين.
قبور الموت مفتوحة والأكفان بانتظار الضحايا القادمين من تحت الأنقاض، وحدها الطائرات تهدر في أجواء قرى منثورة على حدود من النار تقتحم عمق المدينة، مشاهد تجاوزت الواقع المكسو بالركام والحطام ووجوه شاحبة من كثرة الآلام، ملاحظات دونتها في زيارة خاطفة لمدينة يستوطن فيها الخوف ويسكن نفوس من بقي من السكان والنازحين الذين تراجع عددهم إلى ثمانية آلاف نازح بعد أن وصل في بداية العدوان إلى 25 ألفا، فيما لم يبق من السكان الأصليين البالغ عددهم 120 ألفا إلا عشرون ألفا على أبعد تقدير.
وتتواصل جهود الإغاثة من دون أن تبلغ أهدافها كما يقول رئيس بلدية صور عبدالمحسن الحسيني الذي يعمل على رأس فريق نشط للتصدي لآثار العدوان على المدينة.
ويطلق الحسيني صرخة استغاثة لمساعدة المدينة المحاصرة التي لم يعد فيها حبة طحين واحدة وصار الرغيف عندنا يساوي الذهب على حد تعبيره، وأكد أن الأفران كلها أقفلت بعد فقدان الطحين باستثناء فرن واحد يعمل فوق طاقته ليل نهار.
ويضيف: ساهمنا في تأمين الطحين والسكر والمحروقات له حتى يوم أمس لكن مخازننا فرغت والمساعدات التي تصلنا تكاد تكون ضئيلة جدا بسبب خطورة الطرقات.
ويبذل الصليب الأحمر الدولي وجمعية أطباء بلا حدود جهودا جبارة لإيصال الأدوية إلى المرضى والمستشفيات.
واثنى رئيس بلدية صور على مساعدة نائب صيدا بهية الحريري في تأمين بعض الخبز وإجلاء النازحين من القرى عن المدينة التي لم تعد آمنة لإقامتهم.
وأكد الحسيني أن المدينة دخلت مرحلة حرجة جدا بعد حصار استمر ثلاثة أسابيع وموجة نزوح عارمة استهلكت كل مدخراتنا، وقال إنه »لم يعد أمامنا إلا 48 ساعة وتصبح صور دون طعام وأدوية وأغذية عدا عن البنزين المفقود منذ أكثر من أسبوعين«.
ولفت إلى أن برادات الموتى استهلكت إحتياطي البلدية من المازوت الذي اضطررنا لتأمينه بمعدل 600 ليتر يوميا لثلاثة برادات تقف في مستشفى صور الحكومي تمهيدا لهدنة تمكننا من دفن موتانا البالغ عددهم نحو 210 جثث قابلة للارتفاع، بعد أن أبلغتنا مستشفيات صيدا بوجود عدد من القتلى في براداتها إضافة إلى 75 ضحية من مجزرة صريفا لا يزالون تحت الأنقاض وجثث لضحايا بلدات صديقين وكفرا وياطر.
ولفت إلى أن الأفران ليست وحدها التي توقفت بل إن المستشفيات ومحطات الطاقة والمياه ستواجه نفس الأزمة في غضون الساعات المقبلة في ظل انقطاع التيار الكهربائي المستمر، داعيا كل العرب إلى صحوة ووقفة كرامة تمسح عن جبينهم العار وتنقذ من تبقى وما تبقى من هذا البلد الذي طالما كان سباقا في الدفاع عن قضايا الأمة.
وبينما تنشغل فعاليات المدينة في تأمين توابيت لدفعات المنتظرين تحت ركام عمرهم، ينشغل المواطنون في تأمين قوتهم ومياههم وقهوتهم التي باتت عزيزة جدا بعد أن خلت المنازل من روائحها، ما دفع أحد المواطنين إلى السير مشيا على الأقدام من بلدة الكنيسة البعيدة نحو 11 كيلومتراً عن صور لابتياع كيلوين من البن ثم أقفل عائدا كما جاء متحديا المخاطر وعيون الطائرات.
ويروي صاحب المحمصة غزوان حلواني، الذي يداوم على العمل يوميا حتى الحادية عشرة ظهرا أن الناس يتوقون لفنجان القهوة في هذه الظروف العصيبة وبالتالي فإن تجارة البن خلال أسابيع الحرب ازدهرت بشكل كثيف وارتفع المبيع إلى 70 كيلو غراما يوميا.
الأزمة الغذائية ليست وحدها الأصعب على سكان صور، التي لم يعد يتوفر فيها حتى الهواء النقي، كما يقول غسان عجمي الناشط في جمعية التنمية للإنسان والبيئة المدعومة من قبل جمعيات أهلية فرنسية، ويشير إلى أن المخاطر ليست من قلة الطعام وحسب ،بل أيضا من الأمراض التي تفشت بين الناس كما تبين لنا من خلال الجولات الميدانية على المنازل في صور حيث لمسنا نقصا حادا في كل المواد وعدم توفر مياه الشرب النظيفة، كما بينت لنا زياراتنا المتكررة على المدارس.
حيث يقيم أكثر من ثمانية آلاف نازح وجود حالات عديدة من الجرب والأمراض الجلدية المختلفة جراء عدم الإغتسال بشكل منتظم وعدم غسل الأيدي المتكرر وكذلك بسبب تراكم النفايات ما أدى إلى انتشار كثيف للبعوض والذباب الذي يجتاح المدينة بشكل لافت.
واضاف رئيس بلدية صور: »قمنا بحملات توعية لحث المواطنين على اتخاذ العديد من الإجراءات بغية عدم تفاقم هذه المشكلة ووزعنا أدوية ومراهم لتخفيف عوارض الطفح«.
كما لاحظنا إصابة عدد كبير من السكان بحساسية صدرية وضيق في التنفس ووهن نتيجة الروائح الكريهة المنبعثة من الحرائق التي تلف المدينة ولا تجد من يخمدها إلا بعد ساعات، محذرا من تفاقم الأمراض بشكل خطير ومعد إذا لم تتحرك الهيئات الصحية والإغاثية لمعالجة المرضى وتدارك هذه الأزمة المتفاعلة على كل المستويات.
بيروت - ثناء عطوي:
