رغم أن الإسلاميين الموريتانيين يحتلون واجهة الاهتمام السياسي والإعلامي داخلياً وخارجياً، إلا أنه نادرا ما يتم استجلاء حقيقتهم الفعلية، وتركيبتهم التنظيمية ويبدو من المؤشرات البادية للعيان حاليا، أن الإسلاميين الوسطيين سيشاركون في الانتخابات القادمة من خلال لوائح مستقلة، وربما من خلال لوائح مشتركة مع بعض الأحزاب الأقرب إليهم، في حين ليس من المرجح أن يرشحوا أحد رموزهم المعروفة للرئاسيات، مفضلين حسب قول أحد زعمائهم البحث عن رجل الإجماع للفوز بالانتخابات.
ومن الواضح اليوم أن كل الزعامات السياسية تغازل التيار الإسلامي الذي يحتفظ بخيوط وصل مع العديد من المرشحين المفترضين، سواء تعلق الأمر بولد داداه حليفهم السابق الذي انقلبوا عليه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة مفضلين دعم ولد هيداله الذي يحتفظون بصلات طيبة به.
كما تتحدث بعض المصادر عن دعمهم للمرشح المستقل دحان ولد احمد محمود الذي يقربه إليهم ثقافته الدينية الواسعة وروابطه ببعض فقهائهم وأئمتهم البارزين.
بيد أن السؤال المطروح هو: »إلى أي حد يمكن أن يلعب التيار الإسلامي بأوراقه القوية في صراع يلوح حادا وشرسا من موقع تنظيمي هش خارج الشرعية السياسية؟«.
وتعود نشأة الحركة الإسلامية الموريتانية إلى منتصف السبعينات، وقد جاءت متأخرة عن ظهور التيارات القومية التي عرفتها الساحة الموريتانية منذ الستينات، و قد بدأ نشاط المجموعات الإسلامية في صفوف المدرسين القادمين من الجامعات المشرقية، وتأثرت أساسا بحركة الإخوان المسلمين المصرية.
واستطاعت النواة الأولى من التيار الإسلامي استمالة بعض الأئمة والعلماء المتميزين، في مقدمتهم إمام الجامع الكبير ومفتي البلاد الشيخ بداه ولد البوصيري الذي تبنى من منبر الجمعة مطالب الحركة في تطبيق الشريعة الإسلامية ومكافحة »الانحراف الأخلاقي« و »الغزو الفكري« و »التيارات الهدامة«.
ولم تلق المجموعة الأولى التي انتظمت على الطريقة الإخوانية المعروفة واتسمت بحركة »حاسم« أي مضايقات حقيقية، بل استطاعت انتزاع فضاءات لدعوتها، توزعت ما بين منابر المساجد وبعض البرامج الإذاعية، قبل أن تؤسس جمعية ثقافية مرخصة باسم »الجمعية الثقافية الإسلامية« شكلت غطاء شرعيا لها في مرحلة تميزت باعتقالات واسعة في التيارات القومية.
كما تميزت بإجراءات أسلمة القوانين التي أعلنها الرئيس الأسبق محمد خونة ولد هيداله.
و لم يعين ولد هيداله أي من أعضاء الجماعة البارزين في مواقع حكومية مرموقة، إلا أنه سمح لها بممارسة نشاطها في تشكيل علني.
ولم تغيير هذه العلاقة مع السلطة الحاكمة بصفة جوهرية في المرحلة الأولى من حكم الرئيس السابق معاوية ولد الطايع الذي قرب بعض عناصر الجماعة، وعين أحدهم وهو الدكتور المختار ولد محمد موسى مستشارا له ثم سفيرا بدولة الإمارات العربية المتحدة وسوريا.
كما عين أحد نشطاء الحركة (أبو بكر ولد أحمد) مديرا للشؤون الإسلامية ووزيرا للثقافة، بيد أن ولد الطايع سرعان ما انقلب على الجماعة الإسلامية وأدار لها ظهر المجن منذ منتصف التسعينات، فاعتقل رموزها وأغلق منافذها المؤسسية.
ولاشك أن لهذا التحول علاقة قوية بنمط التغيير الذي مس تركيب العمل الإسلامي في موريتانيا.
فبعد أن كانت النواة الصلبة من الجامعة الإسلامية لا تتجاوز بعض الأئمة والمدرسين المنحدرين من الأسر العلمية والدينية المعروفة، تحول التيار الإسلامي منذ بداية التسعينات إلى تيار شعبي عريض له طبقته السياسية المحترفة وذراعه الطولى في الأحياء الشعبية الفقيرة ولدى المجموعات المضطهدة والمقصية، وحضوره القوي في المؤسسات التعليمية خصوصا في جامعة نواكشوط.
ولقد أظهرت محاولة تأسيس حزب إسلامي باسم »حزب الأمة« في الأيام الأولى لإعلان الديمقراطية التعددية حجم هذا التيار الذي تصاعدت نغمته الاحتجاجية، وعلى الرغم أن الإمام بداه ولد البوصيري استطاع بحكمته ولباقته أن يتوسط بين المجموعة الإسلامية المعتقلة وحكومة ولد الطايع التي أفرجت عن المساجين، إلا أنه يمكن القول إن صفحة كاملة قد طويت من تاريخ علاقة الدولة الموريتانية الحديثة بالحركات الإسلامية.
ومع أن التيار الإسلامي انقسم بوضوح في موقفه إزاء النظام بين اتجاه استقطبته السلطات الحاكمة يمثله الوزيران السابقان محمد فاضل ولد محمد الأمين وأبو بكر ولد احمد، واتجاه أوسع اندمج في حزب اتحاد القوى الديمقراطية، الذي يرأسه أحمد ولد داداه، إلا أن بعض الأحداث المهمة التي عرفتها البلاد في السنوات الخمس الأخيرة فرضت معطيات جديدة في صراع الإسلاميين مع نظام ولد الطايع.
وفي مقدمة هذه المعطيات العلاقة التي أقامها الحكم السابق مع الدولة الصهيونية، والمعركة المحلية التي خاضها ولد الطايع في الساحة الموريتانية ضد »الإرهاب«.
أما الحدث الأول فقد ولد نغمة احتجاجية واسعة في الشارع الموريتاني لعب فيها الأئمة والناشطون الإسلاميون دورا محوريا.. ولعل الجميع يذكر فتوى الشيخ محمد الحسن ولد الددو التي ذهب فيها إلى تحريم الروابط الودية مع الدولة اليهودية.. وقد لقيت الفتوى قبولا واسعا خصوصا بعد أن سلمها بعض أبرز علماء البلاد وأكثرهم إشعاعا.
كما أن الحملة المحمومة التي قادها النظام السابق ضد »التطرف الديني« بالهجوم الشرس على مصادر التدين غير المحلية، والاستناد إلى الشريعة المذهبية - العقدية الموريتانية والمالكية، وظفت بوضوح لضرب التيار الإسلامي، في مرحلة أغلقت كل منافذه التربوية والأهلية من مدارس وجمعيات، وبل ان الحملة طالت المساجد نفسها إثر صدور قرار مثير يضع قيودا صارمة على خطب الأئمة، في ما يشكل سابقة غير مألوفة في البلاد.