أخذت الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان بعداً جديداً، من خلال استهداف أربعة جسور في محافظتي كسروان وجبيل، شمال العاصمة بيروت، وهما منطقتان ذات غالبية مسيحية.

وبدا أن هذا الاستهداف يحمل رسالتين تنطويان، أولاً، على المزيد من تقطيع أوصال المناطق اللبنانية وعرقلة وصول المساعدات القادمة عبر الحدود السورية مع شمال لبنان، بعدما تكفل القصف الإسرائيلي، في السابق، بقطع الطريق التي تصل لبنان بسوريا من جهة البقاع، شرقي لبنان.

ثانياً، تأليب الرأي العام اللبناني، وتحديداً في الشارع المسيحي، ضد المقاومة وحزب الله، من أجل خلق حالة من الانشقاق في الساحة الداخلية اللبنانية، وهو ما فشلت في تحقيقه إسرائيل منذ بداية عدوانها على لبنان في الثاني والعشرين من شهر يوليو الماضي.

هذا الانطباع هو ما عبر عنه الناس الذين تحدثنا إليهم في منطقة جونية، التي يصلها أحد الجسور المدمرة بمنطقة المعاملتين، ولخصه لنا النائب إبراهيم كنعان، من كتلة الإصلاح والتغيير التي تضم نواب التيار الوطني الحر، المسيحي، بقيادة العماد ميشال عون، في اتصال هاتفي أجريناه معه.

الطريق إلى جونية، صبيحة القصف الإسرائيلي الذي تعرضت له، لم يكن خالياً تماماً من حركة المرور. لكنها كانت تخف كلما تقدمنا من أول الجسور المستهدفة على الطريق بين جونية وشمال لبنان.

وصلنا إلى الجسر المستهدف، وكانت تسبقه ثلاثة حواجز للجيش وللشرطة اللبنانية لمنع السيارات من متابعة الطريق، إلا لمن كان أصحابها من السلطات المعنية ووسائل الإعلام التي كان الجسر المنكوب، أو ما تبقى منه، يعج بإعلامييها وكاميراتها.

قال لنا أحد الأشخاص المولجين بالوقوف عند تقدير الأضرار التي لحقت بالجسر إن القصف أدى إلى جرح خمسة أشخاص، في حين لاحظنا أن الطائرات الإسرائيلية اكتفت بتعطيل جهة السير النازل من الشمال إلى بيروت، من دون أن تقصف الجهة المقابلة.

ربيع وعائلته، التي تضم أطفالاً، استيقظوا مذعورين على صوت القصف، وسط حالة من الذهول لهذا الاستهداف غير المتوقع، ولم يستبعد أن يتم ضرب هذه المنطقة مجدداً، في حين قال زياد باسيل، وهو صاحب صيدلية تبعد أمتاراً قليلة عن الجسر، وعلامات الذهول بادية على وجهه، إن الإسرائيليين أصابهم الجنون، وأنهم لا يعرفون الله.

نبيل جريري، الذي يعيش في المكان، قال إن »الإسرائيليين في الأساس شعب مجرم وغاصب ولا يفرق بين لبناني وآخر. لقد أخطأ النازيون عندما لم يتخلصوا منهم« في الحرب العالمية الثانية، مضيفاً أنهم » مهما قصفوا فسوف نعمّر لبنان. عمّرناه من قبل وسوف نعمّره مجدداً«.

من جانبه، قال نايف أبو سعيد »صحيح أن الهدف الإسرائيلي هو زيادة النقمة على حزب الله، ولكن مسؤولية من بدأ في الحرب، ومسألة نزع سلاح الحزب، كلها أمور نحلها بين بعضنا البعض كلبنانيين، وفي وقت لاحق، بعد انتهاء العدوان«.

وعن المقاومة التي يخوضها حزب الله ضد إسرائيل أوضح نايف، وهو في أواخر العشرينيات من العمر، »هذه بلدنا ولنا الحق في الدفاع عنه«، مستغرباً كيف أن بعض المحطات الأجنبية التي يتابعها أحياناً »تكتفي بالتركيز على إجلاء الرعايا الأجانب عن لبنان وعلى سقوط عدد قليل من القتلى والجرحى اللذين يسقطون في إسرائيل، ويتجاهلون شهداءنا الذين زاد عددهم على ال900 شهيد ممن سقطوا بسبب الاعتداءات الإسرائيلية«.

موقف نايف (وهو المسيحي) من هذه الأزمة، لا يختلف عن أي لبناني، سواءً كان شيعياً أو درزياً أو سنياً أو مسيحياً، فهو يرى أن الحل يكمن في تبادل الأسرى وانسحاب إسرائيل من منطقة مزارع شبعا »لأن حزب الله حزب مقاوم، وإذا لم ينسحبوا منها، فليس لأحد الحق في المطالبة بنزع سلاحه، وبالتالي فإن مقاومته محقة«.

واستغرب مطالبة إسرائيل الجيش اللبناني بسحب سلاح حزب الله، وأضاف ساخراً »إذا كانوا هم عاجزون عن القيام بذلك، فهل يريدون ان يقوم الجيش بذلك لكي يتسببوا باندلاع حرب أهلية في لبنان، فلينسحبوا من أرضنا ونحن نتكفل بحل المسألة بين بعضنا«.

في طريق عودتنا إلى العاصمة بيروت، سلكنا الطريق الساحلي السياحي القريب من شاطئ البحر في منطقة جونية، حيث كانت زحمة السير قد بدأت تصبح خانقة، بسبب تحويل السير إلى هذا الشارع الضيق الذي تصطف على جانبيه المسابح والمطاعم، والمرابع الليلية، بعدما قامت قوى الأمن اللبنانية بإغلاق الاوتوستراد الموازي له، والذي يقع عليه الجسر المستهدف.

وزحمة السير لم تكن بأي شكل من الأشكال دليل عافية في ذلك الشارع الذي يشي عادة بسحر الصيف في لبنان، لأن مطاعمه ومسابحه كانت خالية تماماً، أللهم إلا بركة سباحة لأحد الفنادق، التي لا يفصلها عن الشارع سوى سور خفيض، حيث كانت تتمدد أربع حسناوات بملابس البحر، غير آبهات بالوضع »المسموم«، أو ربما مللن من التوتر الذي انهال على الجميع منذ 24 يوماً فلجأن إلى حمام الشمس والمياه لكي يخففن من هذا التوتر.

ونحن في الطريق عرّجنا على مستشفى »سيدة لبنان« في وسط جونية، والتي قيل لنا انها استقبلت جرحى القصف، وهناك أخبرنا أحد العاملين في الطاقم الطبي في المستشفى، أنه تمت معالجة الإصابات التي كانت طفيفة، ما عدا رجل مسن، يدعى إلياس صفير، أصيب، إضافة إلى جرح طفيف في رأسه، بذبحة قلبية، ولا يزال في غيبوبة في غرفة العناية الفائقة.

ونحن في المستشفى صادفنا غسان صفير، نجل إلياس صفير، وقال لنا ان والده، البالغ من العمر 65 عاماً، كان في طريقه من الشمال إلى جونية، حيث منزل العائلة، عندما قُصف الجسر القريب من كازينو لبنان، نزل من السيارة كان يستقلها وقال للسائق إنه سيتابع الطريق مشياً. وعندما وصل إلى الجسر الثاني في جونية، قصفته الطائرات، ما تسبب بإصابته بجرح طفيف.. وبذبحة قلبية.

وأضاف غسان أن الأطباء عملوا على إنعاش قلبه، الذي يعمل حالياً على الآلات فقط، وتخوف أن يقع والده في حالة من الغيبوبة الدائمة(كوما)، ثم صب جام غضبه على المسؤولين في لبنان، الذين اتهمهم بالارتباط بالسفارات، ويتحركون بناء على أوامرها، لكنه أشار إلى أن لإسرائيل أطماعا في لبنان، وأنه يهمها ألا يزدهر البلد، ولهذا تعمد إلى تدمير بنيته التحتية لكي تكون هي الدولة المهيمنة في الشرق الأوسط، لأنها تعتبر أنه سينافسها على الصعيد الاقتصادي.

لذا فهي دمرت ما دمرت فيه لكي تتوجه كل الاستثمارات إلى أسواقها، و»بالنتيجة لا يمكن أن نوجه اللوم إلى حزب الله، والعملية التي تقوم بها إسرائيل في لبنان مخطط لها من قبل، وإذا كانوا يردوا على خطف الجنديين اللذين خطفهما حزب الله، فعليهم ان يردوا من خلال خطف عناصر من الحزب وليس من خلال قتل المدنيين«.

وفي اتصال مع النائب إبراهيم كنعان، قال إن الهدف من قصف الجسور في المناطق المسيحية »كان واضحاً منذ اليوم الأول، وهو خلق حالة من التناقض في الرأي والانقسام وتأليب الرأي على المقاومة، والضغط اللبنانيين«.

وتابع: »إن موقف الحكومة الذي دعا، بعد المجزرة إلى وقف إطلاق النار أولاً ومن ثم يتم الحديث عن الأمور الأخرى، أقفل الباب على الانقسامات التي كانت قائمة، وكان يمكن أن تؤدي إلى إنجاح العملية التي تشنها إسرائيل على لبنان، التي تعتمد، في شق منها على قوة الآلة العسكرية، في شق آخر على الوضع السياسي الداخلي في لبنان، وبالتالي بعد الموقف الذي أشرت إليه، فإن الرهان الإسرائيلي سقط«.

ورأى كنعان أن »قيام الأميركيين بإعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل لمواصلة حربها على لبنان لكي تحقق انجازا ما على الأرض، ليس له أفق سياسي، حتى ولو سلمنا جدلاً بحصول شيء من هذا القبيل، فإن ذلك سيكون محدوداً، حتى ولو احتلوا كيلو متراً أو اثنين أو عشرين، فإن ذلك لن يقدم ولن يؤخر، لأن الأزمة ستبقى كما هي، وسنرجع إلى نقطة الصفر التي رتبت ما حصل في 12 يوليو.

لذلك الحل هو في معالجة أسباب الأزمة، وهي الأرض والأسرى، وفي مقابل هذا الشيء يمكن طرح موضوع السلاح(الذي بين يدي حزب الله) كشأن لبناني داخلي. ومسألة ضمان الحدود(مع إسرائيل) تأتي نتيجة لذلك«.

وأوضح أن »الإتيان بقوات دولية من دون اتفاقية حل سياسي، فإنك تكون في صدد تمديد وتطوير النزاع، والحل الذي يعالج أسباب الأزمة هو المطلوب، لذلك، فإن العمل العسكري، حتى لو حقق شيئاً ما على صعيد الجغرافيا، أو على صعيد الآلة العسكرية، فلن يكون في استطاعته فرض حل، الذي لا يمكن التوصل إليه إلا من خلال اعتماد منطق الحقوق مقابل منطقة القوة«.

بيروت ــ سهيل شهاب: