مع دخول الحرب الإسرائيلية الغاشمة على لبنان الأسبوع الرابع، جاء إعلان الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله نجاح أسلوب حرب العصابات كخيار لابد منه في المواجهة مع العدو الذي اتبع أساليب النازية في حرق الأرض خصوصا في مثلث بنت جبيل ومارون الرأس وعيترون.

وعندما قال نصر الله »إن مجيء جيش الصهاينة إلى أرضنا سيمكننا أكثر من أن ننال منه ويعطينا فرصة للاشتباك المباشر«، كان يطبق عمليا قواعد وتكتيكات حرب العصابات، موضحا أن »حزب الله سيكون له اليد العليا في المواجهة البرية«.

والحقيقة أن حرب العصابات التي انتهجها حزب الله كسرت رأس حربة القوات الإسرائيلية في لواء »غولاني« التي قيل عنها إنها طالما اعتادت مواجهة حرب العصابات، إلا أن التقارير التي يقدمها القادة العسكريون (والتي أذيع أغلبها إعلاميا) تفيد أن تكتيكات حرب العصابات (أو حرب الأنصار) التي يعتمدها مقاتلو حزب الله تستفيد من خبرات الحرب في فيتنام (بناء الأنفاق، والكر والفر، والمجموعات الصغيرة سريعة الحركة والانتقال وغيرها وهو ما يفسر حجم الإصابات في صفوف اللواء الإسرائيلي).

وفي المقابل فإن احدث المعلومات المتوافرة من منطقة المواجهة تفيد بان قدرات المقاتلين اللبنانيين النارية اكبر من عددهم الفعلي، وهي إشارة إلى المجموعات التي تتحرك وتواجه القوات الإسرائيلية وهي عبارة عن مجموعات صغيرة عدديا، قد لا تتجاوز الفصيل أو الفصيلين في التعداد الكلاسيكي للعناصر، وان هذه القوات لا علاقة لها بعمليات إطلاق الصواريخ، وإنما مهمتها مواجهة القوات البرية حصرا، وعدم السماح لها بالتوغل، مقابل استمرار قوات المدفعية في حزب الله بإطلاق دفعات من الصواريخ على المستوطنات لإثبات فشل العمليات العسكرية.

وتعرف حرب العصابات بأنها شكل خاص من أشكال القتال يدور بين تشكيلات مسلحة تعمل في سبيل مبدأ أو عقيدة بالاعتماد على الشعب أو جانب منه وبين قوات نظامية، وتبلور هذا النوع من الحرب على يد الأسبان الذين شكلوا من بينهم عصابات مسلحة لمقاومة نابليون وإزعاجه وإنهاكه بعد هزيمة قواتهم النظامية.. كما ساهمت العصابات الإسبانية في ما بعد في معاونة ويلينغتون حين دخل بقواته النظامية ضد نابليون في معركة »ووترلو« في العام 1815.

ويعتبر الزعيم الصيني ماوتسي تونغ أول من وضع قوانين إستراتيجية لحرب العصابات في العصر الحديث، بحيث صارت بهذه القوانين ظاهرة من ظواهر الحرب تعادل في أهميتها وخطورتها أنواع الحروب الأخرى.

وللتدليل على أهمية هذا النوع من الحروب، نذكر بالنتائج التي حققتها العصابات الصينية ضد الغزاة اليابانيين، والسوفييتية ضد الألمان، والجزائرية ضد الفرنسيين، والفيتنامية ضد الفرنسيين ثم الأميركيين.

و ليس أدل على أهمية هذا النوع من الحروب، من أن دولا كالولايات المتحدة، وألمانيا الاتحادية، وفرنسا، استفادت من فكرته بإنشاء قوات تنهج أسلوب رجال العصابات بالرغم مما تملكه هذه الدول من إمكانات التعبئة النظامية.

والواقع في حرب العصابات أنها تبدأ بمجموعة صغيرة تؤمن بمبدأ أو عقيدة وتتسلح بمبادئ إستراتيجية معينة تتيح لها التأمين والنماء حتى تأتي اللحظة التي تستطيع فيها حسم الحرب لصالحها، بما في ذلك العمل من خلال تنظيم عقائدي، وهي تقوم على تجنب الحسم العسكري، والحرص على الحسم السياسي، والمرحلية، والحرص على التأييد الشعبي, والعمل على الفوز بالتأييد الدولي المناسب.

وتحقق الإستراتيجية إدارة الحرب عن طريق تنظيم سياسي قائد وحاجة العصابات إلى عنصر الالتزام، فضلا عن اعتمادها التام على مركزية التخطيط لضمان الفعالية، إذ في مثل حرب كحرب العصابات، يتأتى النصر الكبير من تكرار الانتصارات الصغيرة.

تجنب الحسم

تتجنب حرب العصابات كسب الحرب بالوسائل العسكرية البحتة، لان ذلك أكبر من طاقتها فإنه لا يتفق وطبيعة حربها التي هي حرب السياسة في مواجهة القوة، حرب الالتزام العقائدي في مواجهة التجنيد الإجباري، حرب الأضعف في مواجهة الأقوى ماديا.

وينتهج رجال العصابات عقيدة «الحركية» من الناحية العسكرية، وتعني هذه العقيدة الديناميكية الدائمة، فضلا عن الفعالية والمبادرة وسرعة اتخاذ القرار في مواجهة الأوضاع المتغيرة لحماية الرجال من الفتور وفقدان الحماسة فتزداد قواتهم وقوتهم كل يوم، بينما تعني بالنسبة لعدوهم اليأس الكامل من هذه الحرب التي لا تريد أن تتوقف ولا يبدو لها نهاية ما. وهنا لابد أن يعمل عدوهم على التخلص من هذه الحرب حماية لنفسه من الانتحار السياسي.

ويعني هذا المبدأ مداومة الضغط السياسي على العدو حتى لا يجد مفرا من التسليم بمطالب العصابات السياسية. وتنحصر مبررات هذا المبدأ في تسليم رجال العصابات بعدم جدوى الوسائل العسكرية وحدها، فضلا عن اقتناعهم التام بأنهم لا يحاربون من أجل غزو مادي، وإنما من أجل تحرير سياسي وفتح عقائدي، ولهذا فإن الحرب بالنسبة لهم تنتهي مع العدو حالما يسلم لهم بأهدافهم السياسية، ويترك لهم حرية العمل على نشرها وتطبيقها.

وأما وسائل تحقيق هذا المبدأ، فأولها تحليل الموقف السياسي بدقة وتحديد عوامل الإيجاب والسلب فيه، ثم العمل على توظيف العوامل الإيجابية وتحييد العوامل السلبية لخدمة الأهداف السياسية المطلوبة.

ويراعى في تحليل الموقف السياسي دراسة الأوضاع السياسية المحلية والدولية، كما تدخل في دراسة العوامل السياسية الإيجابية والسلبية دراسة العقائد السياسية لدى كل من الطرفين، وكذا دراسة مدى إيمان الأنصار خاصة، والشعب عامة، بهذه العقائد السياسية، فضلا عن مدى تحالف هذه العقائد مع كل من المستقبل وقواعد اللعبة الدولية. فبالإضافة إلى مدى استعداد كل طرف للصمود في سبيلها ومن أجلها أطول مدة مطلوبة.

المرحلية

وتنقسم حرب العصابات من الناحية الإستراتيجية إلى مرحلة دفاعية بحتة، ومرحلة توازن، ومرحلة حسم سياسي. حيث يحرص رجال العصابات في هذه المرحلة على الصمود أطول مدة ممكنة، إذ أن هذا الصمود هو طريقهم إلى تنمية التأييد الشعبي، وزيادة التشكيلات المسلحة التي تأتمر بأوامرهم.

التوازن

وأما مرحلة التوازن فهي تلك المرحلة التي تبدأ بتوفر العدد الكافي من التشكيلات القادرة على مبادلة العدو بالضربات، وتنتهي بوصول العدو إلى درجة التجمد.

ويستهدف رجال العصابات من هذه المرحلة تنشيط المعارضة السياسية في مواجهة الحكومة العادية، إذ يؤدي تنشيط هذه المعارضة إلى إرهاق هذه الحكومة في إيجاد التبرير الكافي للاستمرار في هذه الحرب التي تتزايد أعباؤها المالية يوما بعد يوم كما تتزايد خسائرها البشرية بغير ما نتيجة تبدو في الأفق، وحين ترى هذه الحكومة أنها عاجزة عن تبرير الاستمرار في مثل هذه الحرب، وبالتالي آخذة في الانتحار سياسيا أمام معارضيها فإنها لا بد أن تصدر لقواتها الأمر بالتجمد.

وفي الهجوم العام المضاد والحسم السياسي، تصل العصابات إلى مرحلة تستطيع فيها تشكيل قوات نظامية قادرة على خوض حرب المواقع.. حيث يعمد رجال العصابات إلى شن معركة عسكرية ذات تأثير معنوي فاصل لإجبار العدو على إنهاء الحرب لصالحهم. وتعتبر هذه المرحلة الأخيرة من أهم مراحل حرب العصابات، فبعد أن تنتهي الكباش في مرحلة التوازن إلى التناطح الواقف المتجمد، لابد من حركة سريعة وقوية يقوم بها رجال العصابات للإيقاع بالعدو الذي أنهكه التعب وأرهقه حتى وصل إلى مرحلة التجمد.

وهذه المراحل الثلاث، وإن كانت ملحوظة في كل حرب للعصابات، إلا أن الواقع المتشابك لا يسير دائما بهذا التبسيط النظري السهل. ولهذا يحرص رجال العصابات على التمسك بالمرونة التامة لمواجهة الواقع المتشابك وتحويله لصالحهم، فمثلا إذا استطاع العدو أن يكسر هجوم العصابات العام في مرحلة الحسم فإن رجال العصابات يعودون من فورهم إلى مرحلة التوازن، وإذا استطاع العدو أن يعاود نشاطه بدفعة جديدة رغم توقفه في مرحلة التجمد فإن رجال العصابات يعودون فورا إلى المرحلة الدفاعية البحتة، وهكذا حتى يقتنع العدو بأنه أمام حرب لانهاية لها إلا إذا تنازل عن عناده السياسي، وسلم لرجال العصابات بمطالبهم.

وبالنسبة للتأييد الشعبي، فلا يمكن لحرب العصابات أن تقوم ضد إرادة شعبية، أو حتى في ظل لامبالاة شعبية فالتأييد الشعبي هو الحليف الطبيعي لقوات العصابات، لتعويض التفوق المادي المعادي، إذ يتيح هذا التأييد - فضلا عن إمكانية النماء - الاندساس والتخفي بين السكان المحليين، والحصول منهم على المؤن اللازمة للاستمرار.. ويدعم البرنامج السياسي للقيادة التي تتوفر لها قاعدة شعبية عريضة.

ولابد لرجال العصابات من تأييد دولي مناسب يتيح لهم التمتع بعمق سياسي أرحب، كما يتيح لهم التطلع إلى مستقبل أفضل. خصوصا وأننا نفترض أن رجال العصابات يحاربون عدوا ينتظم رجاله في دولة، وهذه الدولة لابد أن تستجيب لرجال العصابات إذا ما أحسن الضغط عليها بواسطة الدول الأخرى.

التكتيك

ويتخذ التكتيك في حرب العصابات شكلي الكمين والإغارة، وهناك قواعد عامة تحكم تكتيك العصابات ومنها الهدف التكتيكي وهو المقاومة لا تحقيق النصر، ولذا يجب ترك العناد والإصرار إلا عند عدم التمكن من الفرار فحسب، ولهذا قال ماوتسي تونج »على رجال العصابات أن يكونوا خبراء في الفرار«..

كما يجب الحذر دائما من حصار العدو، والتملص فورا من القتال عند بادرة ذلك.

كذلك يجب مراعاة الحذر التام في الهجوم، وإحداث ضجة في الشرق مثلا إذا كان الهجوم في الغرب..مع الاعتماد التام على التخفي بالاندساس والاختلاط بالسكان المحليين.. ومراعاة أن تكون قواعد الانطلاق محصنة تحصينا طبيعيا، ومجهزة هندسيا للدفاع عنها عند اللزوم، كما يجب فضلا عن ذلك أن تكون متمتعة بممرات خفية سهلة للفرار.. بالإضافة إلى عدم ترك أية آثار عند الانتقال أو التوقف للراحة.

كذلك يجب القيام ببث قواعد صغيرة حسنة الإخفاء حول منطقة الأهداف قبل الهجوم عليها حتى يمكن استخدام هذه القواعد في إخفاء المصابين توطئة لنقلهم إلى مناطق أكثر أمنا.. وتحل مسائل الإعاشة والذخيرة باستخدام مخازن صغيرة مخفاة لا يعرف طريقها إلا عدد محدود، وتوضع المواد المطلوب تخزينها في أوعية من البلاستيك أو الصفيح أو الزجاج حتى لا تفسد بالمياه والرطوبة.

وتعتمد هذه الطريقة من الحرب على السرية التامة، فخطط التحرك، وقواعد الانطلاق الفرعية والتبادلية، فضلا عن الرئيسية بالطبع، لا يجب أن يعرفها إلا نفر قليل.. مع تجنب النمطية عند تنفيذ العمليات التكتيكية المختلفة.. ورفض الاندفاع والتهور تماما.. مع تحقيق المفاجأة والسرعة والحسم، وتفضيل مهاجمة العدو وهو في حالة التحرك، لسهولة الإيقاع به.

ويفضل الهجوم على المنشآت المنعزلة لأثرها السيكولوجي، فضلا عما تؤدي إليه من إجبار العدو على الانتشار وتوزيع قواته، بالإضافة إلى توفر المؤن والسلاح بها بكميات كبيرة نسبيا..مع التأكيد على سحب أسلحة ووثائق القتلى من رجال العصابات.. ويعتمد رجال العصابات على جهودهم الذاتية للتعيش، فيتفرقون للحياة ويجتمعون للقتال.

أما الكمين كتكتيك قتالي فتعرفه، بل وتستخدمه القوات الخاصة بكثرة في الجيوش النظامية وذلك بغرض الحصول على أسير أو وثائق. ولا يختلف الكمين سواء لدى رجال العصابات أو لدى القوات النظامية في أسسه الفنية، إلا أن الكمين عند رجال العصابات ينفرد بميزات معينة أهمها، الاعتماد على الدعم المحلي للسكان في الإخفاء والتمويه والانسحاب وتكديس الأسلحة والمعدات المطلوبة، وكذا تعويض الإمكانيات المادية المطلوبة بالروح المعنوية العالية والذكاء المحلي.

ويقصد بالكمين، الاختفاء في موقع جيد ينتظر تقدم العدو تحت سيطرته، حيث تقتحمه قوات الكمين بغرض إبادة العدو أو الحصول منه على أسرى أو وثائق أو أسلحة أو معدات، فضلا عن إزعاج العدو وإثارته وإرهابه بالطبع.

ولنجاح الكمين بهذا المعنى، تعمد قوات العصابات إلى تقسيم الكمين إلى ثلاث مجموعات، هي مجموعات الملاحظة، والاقتحام، والوقاية وستر الانسحاب.

والفارق الفني بين الكمين والإغارة يكمن في أن الكمين انتظار وترقب في موقع جيد، بينما الإغارة تقدم مدروس إلى هدف مختار بعناية..ففي الإغارة تتقدم القوة المغيرة مراعية الاختفاء التام على طريق تقدمها نحو الهدف المختار من قبل، ثم تقوم هذه القوة باقتحام هذا الهدف بالأسلوب الذي يناسب المعلومات عنه.

وبالطبع فإن الهدف العام لكل إغارة، هو إزعاج العدو وإرهاقه وإرهابه، إلا أن لكل إغارة أهدافا خاصة أخرى قد تكون الحصول على الأسرى أو الوثائق أو الأسلحة أو المؤن أو المعدات أو حتى مجرد تدمير الغرض المستهدف ونسفه.

إطار

حرب العصابات

لا يختلف التنظيم العقائدي في حرب العصابات عن معنى للحزب السياسي إلا من ناحية الوسائل فقط، فبينما يتشابهان في كونهما جماعة متحدة من الأفراد تعمل للفوز بالحكم بقصد تنفيذ برنامج سياسي معين، فإنهما يختلفان في الوسائل المتبعة لتحقيق هذا الهدف، حيث تنتهج الأحزاب السياسية الوسائل الديمقراطية، بينما يرى رجال العصابات ألا جدوى إلا بالاعتماد على الوسائل العسكرية.

ولعل منشأ هذا الاختلاف في الوسائل راجع إلى أن نظام الحزب السياسي يعتبر وليدا للأنظمة النيابية، وفي هذه الأنظمة يمكن مواجهة التحديات السياسية بالوسائل الديمقراطية، بينما التنظيم العقائدي في حرب العصابات يعد وليدا لنقلة سياسية بعيدة يراد لها أن تكون، وهو مالا يمكن تحقيقه إلا باشتراك الوسائل العسكرية بالطبع.

حرب أم مقاومة أو ثورة وعصيان

تختلف حرب العصابات عن صور أخرى قد تشتبه معها من مثل الحرب الأهلية، والمقاومة الشعبية، والثورة، والعصيان والتمرد.. فالحرب الأهلية هي تلك التي تنشأ بين مجموعتين أو مجموعات متكافئة تمت لبلد واحد.

أما المقاومة الشعبية فهي نوع من الدفاع التلقائي غير المنظم يلجأ إليه الشعب عاطفيا لمقاومة قوات محتلة أو آخذة في الاحتلال، ودون أن ينتهج الشعب في ذلك تنظيما سياسيا معينا والثورة هي حادث سياسي جلل يقلب الأوضاع في دولة معينة ليرتفع بمستوى الواقع إلى مستوى الآمال الوطنية.

أما العصيان والتمرد فهما هبة مسلحة تتقرر نتيجتها بسرعة.

إعداد: فريد وجدي