خائفون ومنهكون وصلوا أهالي الجنوب إلى العاصمة أمس يلفهم الحزن والأسى مفجوعين بما شاهدوه من ويلات في مأتم الجنوب الحافل بالقتلى، غادروا أرضهم وشمس قراهم المزدحمة بالصلوات وهم يتأملون من خلف دموعهم ملامح بيوت وشوارع هجرتها الحياة

وتكدست على جوانبها جثث الأقرباء والأصدقاء، حبسوا أنفاسهم على معابر الطرقات الخالية إلا من الفراغ وأصوات الطائرات والكلاب الباحثة عن أشلاء ودماء، تجاوزوا مصيدة القتل في رحلة شاقة نحو المجهول من الأمكنة التي لم تعد تتسع للنازحين، تحرروا من زنار النار الذي امتد 20 يوما وعيونهم معلقة على باب العودة إلى الديار.

وتراكمت جموع النازحين في مناطق العاصمة ومدارسها خلال ساعات الهدنة التي سبقتها مجزرة قانا وتبعتها فضائح المجازر الأخرى في صريفا وعيترون وغيرها. وتدفق النازحون من كل القرى والبلدات الجنوبية حاملين أوجاعهم وأهوال حرب عاشوها في زوايا باردة.

لا يكاد يخلو شارع في العاصمة من عوائل نازحة تبحث عن مكان يقيها العراء والحر، هناك قرب إحدى المدارس المختنقة بالنازحين صادفنا رجلا يحمل طفلتين على يديه وتقف قربه امرأة تضع صندوقين من الكرتون فيهما متاع العائلة على جانب الطريق، كان الرجل حائرا مرتبكا من تشتت العائلة، بادرناه بالسؤال عن الوجهة التي جاؤوا منها فرد العباسية في منطقة صور،

ثم بدأ يسرد يوميات الصامدين والمحاصرين هناك. ويقول محمود الحاج: »في الأيام الأخيرة فقدنا كل اتصال بالعالم الخارجي لم نعد نعرف الليل من النهار بقينا في ملجأ البلدة عشرة أيام، القصف كان متواصلا وعندما يتوقف المدفع تخرج الطائرات بكل حقدها لتدمر وتغير على الأبنية والسيارات المدنية، الطرقات كلها دون استثناء

تقطعت ولم يبق طريق واحد رئيسي أو فرعي إلا وأصيب بصاروخ أو أكثر، حاصرونا حتى الموت حتى الجوع والعطش، لم يعد لدينا شيء نأكله المتاجر كلها أقفلت بعد أن نفدت المواد منها، الخبز والمؤونة كلها استخدمت والمياه انقطعت والعتمة غطت المنازل والبيوت بعد أن تعرضت خطوط التوتر للقصف،

وحدها رائحة الجثث كانت تنبعث من كل صوب وتشتد مع نسمات الهواء الآتية من بلدة دير قانون النهر القريبة من البلدة والتي لا يزال عدد كبير من سكانها تحت الأنقاض، البلدة مهجورة والشلل يعم كل الأحياء فيها«.

وأضاف أن »السكان لا يعرفون شيئا عن بعضهم البعض، لا أحد يجرؤ على الخروج إلا الكلاب الشاردة التي تنتشر بكثرة في المنطقة تنهش الأشلاء البشرية وتمضي تبحث عن فريسة أخرى، حتى الكلاب صارت شرسة جدا وتخيفنا نحن الرجال«.

ويتابع القول: »عشنا عشرة أيام في الظلمة لا توجد لدينا شمعة واحدة، انقطعنا من الخبز والسكر والأدوية كلها، أطفالي الثلاثة لم يذوقوا الحليب منذ عشرة أيام وقد عانوا من حالات إسهال حاد وتقيؤ وارتفاع في الحرارة،

حاولت جاهدا الخروج لإحضار الطعام والدواء لهم لكن عبثا فمن يخرج يحكم على نفسه بالموت، الطائرات كانت تدك البلدة باستمرار وقد قتلت مسعفا في الصليب الأحمر حاول إنقاذ رجل استهدفت سيارته طائرة استطلاع بصاروخ لكنه ارتمى قربه وبقيت الجثتان على الطريق لأيام«.

ويقول الحاج إن ساعات الهدنة كانت »كاستراحة المحارب بالنسبة للسكان المدنيين... جمعنا متاعنا وحملت أطفالي وتوجهت نحو العاصمة، وقد نجونا على الطريق من غارة استهدفت سيارة فيها جندي من الجيش اللبناني على طريق القاسمية على الرغم من إعلان الهدنة، شاهدنا دمارا مروعا على طول الطريق وكأن الجنوب هو غير الجنوب كبر حزننا أكثر وزاد عندما وصلنا إلى بيروت

حيث لم نجد مأوى، جلنا في كل المناطق فلم نعثر إلا على فنادق باهظة الثمن، قصدنا أكثر من مدرسة في وطى المصيطبة وكلها تغص بالنازحين، لا نعرف إلى أين نذهب كل ما نعرفه أننا خرجنا من ذلك القبر وتنفسنا لأول مرة هواء الأمان وشعرنا منذ أن وطأت أقدامنا مداخل العاصمة أننا ولدنا من جديد«.

بيت ليف بلدة حدودية تقع في عمق الجنوب احتلها العدو عشرين عاما وعاد لينتقم من أهلها بعد التحرير، 400 عائلة حوصرت في البلدة منذ اليوم الأول للعدوان بعد أن تعرضت طريقها الوحيدة التي تصلها بباقي القرى لغارة جوية،

حال البلدة كحال معظم قرى الجنوب الرازحة تحت النيران، القصف غزير والغارات كالشتاء كما تقول فاطمة مصطفى التي وصلت بالأمس مع أولادها التسعة إلى مدرسة في منطقة سليم سلام.

وتقول عن معاناتها: »لم نعرف النوم طيلة عشرين يوما كلنا أصبنا بآلام حادة في الآذان والرأس ومعظم السكان أدمنوا أدوية الأعصاب التي انقطعت كغيرها من الأدوية، أصيب كثيرون بحساسية حادة وحالات سعال جراء القذائف الفوسفورية التي أطلقوها إلى جانب قذائف أخرى جديدة استخدموها في غاراتهم علينا وتسببت بضيق في التنفس ودوار لدى معظم السكان«.

ساعات الليل كانت الأصعب بالنسبة لسكان بيت ليف فالطائرات تلاحق كل شئ تغتال الضوء والحركة والهواء، لا يستطيع أحد إشعال شمعة في العتمة الحالكة تقول فاطمة حتى لا تستهدفنا الطائرات، كنا نعد كل شيء قبل هبوط الليل كي لا نضطر إلى إشعال النور وإذا فعلنا لأمر طارئ نشعلها ونخبئها تحت الطاولة كي لا تفضحنا،

الأولاد هم أكثر الضحايا في هذه الحرب جاعوا ومرضوا وافتقدوا النوم والأمان، حليب الأبقار التي نربيها في البلدة كانت هي قوت الأهالي كلهم، الحليب والخبز كان وجبة السكان صباحا ومساء،

بيوت القرية كلها صارت بيتا واحدا استهلكنا كل الطعام الموجود ولم يجرؤ أحد على إيصال ربطة خبز واحدة إلى البلدة، فقط بعض المقاومين كانوا يحملون بعض الخبز كل عدة أيام عندما تغيب الطائرات إلى أول الطريق حيث توجد حفرة كبيرة تمنع دخول السيارات، ويلاقيهم شبان من القرية على الجهة الأخرى ليتسلموا الحمولة ويوزعونها على الأهالي.

أمضى أهالي بيت ليف ليلتهم التي أعلن فيها عن وقف لإطلاق النار وهم يفكرون في الوسيلة التي سيخرجون فيها من البلدة المحاصرة، فالطريق الذي يقع فوق واد سحيق مقسوم إلى قسمين ولا توجد طريق أخرى، الأهالي محاصرين ولا أحد يجرؤ على إصلاح أو ترميم الطريق تقول فاطمة، الليلة الأخيرة كانت الأعنف على السكان فالمدفعية لم تهدأ والوادي الذي يحيط بنا اشتعل برمته،

كان الشباب يواصلون البحث عن طريقة للخروج فاقترح أحد السكان الذي يعمل حدادا أن يضع قطع حديد كبيرة وثقيلة بطول أربعة أمتار ليصل الطريق بجسر مؤقت، وافق الجميع وانطلقوا فجرا لمساعدته على تلحيم القطع الحديدية استمروا بالعمل عدة ساعات في وقت كانت النسوة تجمع الأغراض وتستعد للمغادرة،

نجح عمل الشباب وأصلحوا الطريق وأبلغونا بضرورة خروج النساء والأطفال بداية من القرية على دفعات وبعد أن تفرغ البلدة يتبعنا الرجال، وهكذا قطعنا الطريق وقلبنا يرتجف بدءا من الجسر الذي بناه الشباب والذي كان المرور عبره محفوفا بالخطر،

اهتز بشدة عندما مرت السيارة فوقه واهتز قلبنا من منظر الوادي الذي يقع في الأسفل على عمق مائتي متر، لم يهدأ قلبي أنا وبناتي إلا عندما وصلت إلى منطقة صيدا شعرت أننا انتقلنا من دنيا إلى دنيا أخرى،

كانت هناك علامات حياة فتوقفنا شربنا الماء والقهوة التي حرمنا منها مدة أسبوع بعد أن خلت كل بيوت القرية من البن ثم تابعنا طريقنا متوجهين نحو هذه المدرسة وكانت قد سبقتنا إليها شقيقتي التي هربت مع عائلتها من الضاحية الجنوبية قبل أيام نزلنا معها في الغرفة نفسها وأصبح عدد المقيمين فيها 13 شخصا.

أهالي بيت ليف الذين روعتهم المجازر الجماعية وإبادة عائلات بأكملها عمدوا إلى توزيع أفراد عوائلهم على بيوت عديدة كي يبقى مبشر على حد تعبير علي حسن الذي وصل لتوه من بيت ليف مع عائلته، قال كان يوم قانا القريبة من قريتنا هو الأعنف فقد استمر القصف منذ السادسة عصرا حتى الرابعة فجرا ،

لم ننم في تلك الليلة وأدركنا أن هناك مجزرة وقعت لا محال، ولفت إلى أن صباح يوم الهدنة شعر الأهالي أنهم عادوا إلى الحياة مجددا بعد أن رأوا الصحافيين الذين كانوا أول من يطأ القرية يدخلون القرية ويسألون عن حالنا وعن حجم الأضرار،

وقال كل الإدعاءات الإسرائيلية بتواجد المقاومين بين السكان باطلة فلم نرى مقاوما يطلق رصاصة من البلدة كلهم كانوا في الوادي وقد أحرقت إسرائيل وادي بيت ليف برمته ودمرت منازل كثيرة في البلدة،

مؤكدا أن الأهالي فقدوا كل شيء إلا عزيمتهم على الصمود والدعاء المستمر للمقاومة بالنصر، فالجنوبيون مع المقاومة لأن إسرائيل هي المعتدي ولم نجد مدافعا عنا إلا المقاومة،

مؤكدا أن إسرائيل تلجأ إلى إبادة السكان وأرزاقهم وقطع الطرقات كي لا يرى العالم الفظاعات التي ارتكبتها وكي لا تتكشف المجازر على حقيقتها.

بيروت- ثناء عطوي