كانت الرسالة التي يريد رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت توصيلها إلى حزب الله هي أن الجيش سيكشف عن آلاته العسكرية الجبارة في مواجهة الجماعة ردا على الكمين الذي نصبته.

كان أولمرت يحاول الظهور بمظهر القوة بهدف هز المنطقة وتحذير سوريا وإيران اللتين تدعمان حزب الله بعد العملية التي قام بها عبر الحدود يوم 12 يوليو والتي أسر فيها جنديين وقتل آخرين.

وكان هناك كذلك مكسب شخصي بصورة اكبر. إذ ينظر لأولمرت الذي عمل مسؤولا حكوميا طوال سنوات عمره على أنه يسعى لرفع أسهمه في المجال العسكري في أي مواجهة مستقبلية مع الفلسطينيين حول الضفة الغربية. ولكن مع ارتفاع عدد القتلى المدنيين اللبنانيين بشكل متزايد تراجع التأييد الخارجي لإسرائيل.

وتثور شكوك بشكل غير معلن في الداخل حول استراتيجية أولمرت في ظل الهجمات الصاروخية التي يطلقها حزب الله على شمال إسرائيل وعدم وجود أي اثر للجنديين الأسيرين.

وقال مصدر أمني كان مقربا من التخطيط للحرب إنه يتصرف بشكل أهوج. وخلال أغلب فترة الأسابيع الثلاثة الماضية ظل أولمرت مصرا على مواصلة الهجوم. ومما عزز موقفه التأييد الواسع بين المواطنين وصناع القرار الإسرائيليين إلى جانب موافقة ضمنية من الولايات المتحدة وبعض الحلفاء الأوروبيين.

وتغير ذلك بعد أن استهدف قصف إسرائيلي 54 مدنيا في قرية قانا بجنوب لبنان يوم الأحد. وتحت ضغوط من وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس وافق أولمرت على الحد من تلك الهجمات الجوية دون التشاور مع كبار القادة العسكريين أولا فيما يبدو.

وتوقعت إحدى الصحف أن أولمرت سوف »يتوقف« مما يعيد للأذهان كيف أن رئيس الوزراء الأسبق شمعون بيريس ألغى هجوما مماثلا ضد حزب الله عام 1996 بعد أن ضربت قذيفة مدفعية إسرائيلية قانا فقتلت أكثر من مئة لاجئ.

ولكن أولمرت ظهر في اليوم التالي بكلمة ألقاها ونقلها التلفزيون مؤكدا فيها على أن إسرائيل ستواصل الحرب »جوا وبحرا وبرا« إلى حين القضاء على حزب الله. ولمح بعض المعلقين نبرة إصرار مماثلة لما كان يتسم به رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في الحرب العالمية الثانية.

ولكن آخرين لم يتأثروا كثيرا بهذه الكلمة.وقال يوسي فيرتر من صحيفة هأرتس ذات التوجهات اليسارية »كانت كلماته قوية ولكنها حملت قدرا من الغموض حول أهداف الهجوم... ما زال الشعب والحكومة وراءه ولكن هناك علامات استفهام تبرز طوال الطريق وهناك تغير ملحوظ في المناخ العام«.

تولى أولمرت السلطة بشكل مفاجئ في يناير عندما أصيب رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ارييل شارون بجلطة في المخ. وكان شارون جنرالا سابقا انتخب مرتين مستغلا أسهمه ومهاراته في الحرب.

وخلال الشهور الأولى التي قضاها أولمرت في منصبه ربما كان يسأل نفسه عند مواجهة أزمات بسيطة »ما الذي كان سيفعله ارييل في هذا الموقف« في اشارة الى شارون.

وعاد هذا السؤال يطارده بقوة بسبب الحملة على لبنان. وقال جيرالد ستاينبرغ من جامعة بار ايلان الإسرائيلية إن شارون ربما كان سيأمر باجتياح بري للبنان لتوجيه ضربة قاصمة لحزب الله منذ البداية في حين أن أولمرت اعتمد بشدة على القوة الجوية حتى لا يظهر في صورة الجيش المحتل.

وقال ستاينبرغ »أعتقد أنه في الوقت الراهن يبدو أولمرت في موقف ضعف وإذا لم ينته الموضوع على ما يرام فسوف يواجه تحديات صعبة« مضيفا أن من غير المرجح أن يكون شارون متفقا مع خليفته في إيمانه بقوة حفظ سلام مقترحة للبنان.

وقال ستاينبرغ »لم يكن لدى شارون أي قناعات بالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي«. ولكن بن كاسبيت وهو مراقب محنك آخر لعصر شارون وهو من صحيفة معاريف اتخذ موقفا مختلفا.

وقال إن رئيس الوزراء السابق كان من الممكن أن يبرم صفقة إدراكا منه لحدود القوة العسكرية في مواجهة جماعة رجال حرب عصابات لبنانية محلية.كما أن شارون واجه معوقات دبلوماسية لكونه قد دبر غزو لبنان عندما كان وزيرا للدفاع عام 1982 والذي انتهى باستقالته بعد الخزي الذي أحاط به عندما قتل أفراد ميليشيا مسيحية لاجئين فلسطينيين.

وقال كاسبيت »أعتقد أن شارون كان سيأمر بشن ضربات لعدة أيام أخرى ضد أهداف مختارة لحزب الله في جنوب لبنان وبيروت ثم يلجأ إلى مفاوضات القنوات الخلفية لتبادل الأسرى«. وأشار إلى أن مثل هذه الصفقة حدثت بالفعل بوساطة ألمانية بين إسرائيل وحزب الله عام 2004 خلال تولي شارون رئاسة الوزراء.

ولكن كاسبيت توقع أن ينجح الهجوم الذي يقوده أولمرت في إضعاف حزب الله وتحسين الوضع الاستراتيجي لإسرائيل في مواجهة إيران وسوريا. ويصر هذان البلدان على أن دعمهما لحزب الله معنوي أكثر منه عسكريا.

وذكر كاسبيت أن من المفارقة أن عدم كون أولمرت شخصية عسكرية جعله في وضع قوة بدرجة أكبر تتيح له شن حملة لا هوادة فيها. ومضى يقول »رئيس الوزراء هذا ليس مولعا بأوهام الحرب القديمة مثل ما يتعلق بعدم التخلي أبدا عن جنودنا في ساحة المعركة«.

وأردف قائلا »من الممكن أن يتخلى عن أي شيء.. وهو ليس مغرورا على الإطلاق وماهر في الإقدام على خطوات جذرية. ومثل المحامي وهي المهنة التي كان يعمل بها في يوم من الأيام فان استراتيجيته هي القيام ببداية قوية والتأكد من خروجه بتسوية تصبح في صالحه«.