خيم الصمت من جديد على أنقاض قانا الاثنين غداة الاعتداء الإسرائيلي الذي أسفر عن مقتل أكثر من63 مدنيا لبنانيا بينهم 37 طفلا، لتبدو هذه البلدة التي نكبت بالمأساة نفسها مرتين خلال عشر سنوات، خاوية وساكنة.
وغادر رجال الإنقاذ محيط الملجأ الذي كان عدد كبير من الذين قتلوا فيه يعتقدون أنهم يستطيعون النوم فيه آمنين تماما مثل أولئك الذين وضعوا أنفسهم عام 1996 تحت حماية الأمم المتحدة معتقدين ان وجودهم في ثكنة لجنود حفظ السلام يجعلهم خارج دائرة الخطر. وفتحت المأساة حينذاك الطريق إلى التهدئة.
ذهب الرجال الذين كانوا يحملون الرفوش وسيارات الإسعاف ومتطوعو الصليب الأحمر الدفاع المدني الذين انتشلوا جثث النساء والأطفال واحدة تلو الأخرى، ليزيلوا الدماء والغبار عن ملابسهم. ولم يتبق صباح الاثنين سوى بعض الأغراض الشخصية والحقائب والملابس التي تكدست أمام الفجوات الهائلة التي أحدثها القصف في المبنى الذي انهار ودفن تحت انقاضه 62 مدنيا كانوا يتصورون أنهم بمنأى عن الضربات الإسرائيلية.
وقد تم انتشال نحو 30 جثة هامدة وما زال عدد آخر من الجثث تحت الانقاض. ويفترض ان تستأنف عمليات إزالة الأنقاض من اجل انتشال هذه الجثث المتبقية.
ومن مدخل القرية التي كان يبلغ عدد سكانها 15 الف نسمة، قبل بدء العدوان الاسرائيلي، يشهد الدمار على عنف عمليات القصف التي ضربت القرية 19 يوما وأجبرت السكان على الفرار او الاختباء. فقد سويت منازل بالأرض وبعضها احترق بالكامل، ودمرت واجهات المحلات التجارية وتمزقت ستائرها.
اما الطرق فتغطيها الأنقاض والأبنية التي ما زالت واقفة خالية والمحلات التجارية التي تحطمت واجهاتها مقفرة.
وانتهز حسين سليمان البالغ من العمر 35 عاما، فرصة تعليق القصف الجوي الذي قررته اسرائيل لمدة 48 ساعة بعد مأساة قانا ليتفقد منزله. وقال »ما زال المنزل واقفا«، لكن محله التجاري تعرض للنهب. وأضاف قبل أن يعود إلى صور »انه أمر شائع في هذا الوضع«.
شوارع المدينة مقفرة لا يمر بها سوى بعض مقاتلي حزب الله ببزاتهم الصفراء والخضراء على دراجات نارية صغيرة. وعلى زوايا الشوارع بقيت صور للزعيمين الشيعيين الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله وآية الله الخميني مرشد الجمهورية الإسلامية، على حالها كما لو ان معجزة حمتها. وتمر بعض النسوة المحجبات.
وتدخل شاحنة صغيرة احد الشوارع لتنقل عائلة جاءت أصلا من قرية الرمادية تتألف من اب وام وابنهما. ويقول الأب من نافذة السيارة »نحن راحلون«. ويكرر الثلاثة »نحن راحلون الى بيروت حتى اذا اضطررنا الى النوم في الشارع«
البقال الوحيد الذي ما زال محله مفتوحا، ليس لديه كهرباء وبراده فارغا. اما على الرفوف فلا يوجد سوى عدد قليل من المعلبات وعلى الأرض قوارير مياه.
أمام هذا المحل توقف ضرير يدعى خضر نصر الله مع ابنه. ويقول »أريد ان أموت هنا. انها أرضنا. أريد ان أموت مع زوجتي وأبنائي الثلاثة. نحن مع حزب الله وطالما ان إسرائيل تطلق النار سيطلق حزب الله النار وإذا ما مات المقاتلون سنموت معهم«.
وفي صيدلية توقفت حنيفة لشراء أدوية. وقالت»أين تريدوننا ان نذهب؟ إلى بيروت لنقيم في المدارس والحدائق العامة او الشوارع؟ هل تفعلون ذلك بأولادكم؟ لا نريد الموت في الشارع. لا نخاف الموت. الله معنا«.
واذا ما كرر التاريخ نفسه وطالت الهدنة فقد تعطي مأساة قانا الثانية فرصة جديدة للعيش لحنيفة وخضر وغيرهم من آخر سكان هذه البلدة المنكوبة.
