ينتشر عشرات المراسلين الصحافيين العرب والأجانب في مناطق يحتلها الموت في جنوبي لبنان وضاحية بيروت، يطاردون الخبر يتنقلون عبر خطوط النار بغريزة الصحافي يجازفون ويشاهدون بأم العين فظاعة القتل الجماعي ومذابح الأبرياء، ينقلون الحدث لحظة بلحظة يستنفرون ليل نهار..يتم استهدافهم بنيران العدو وعرق الخوف يغطي وجوههم.. يسقط بعضهم جرحى وشهداء.. ويصر آخرون على مواصلة الطريق.
إنهم صحافيو الحرب الذين عقدوا العزم منذ بداية العدوان على إيصال الصوت وفظاعة الصورة ونقل تقارير العدوان الذي يغتال الوطن وأهله. في الجنوب اللبناني يحتشد عدد كبير من مراسلي وسائل الإعلام المحلية والعربية والأجنبية ويتخذون من استراحة صور السياحة مقرا لإقامتهم ومنطلقا لبثهم الحي عبر شاشات التلفزة العالمية، يجتمع مراسلو «فوكس نيوز»، و«سي ان ان»، والبي بي سي»، و«العربية» و«الجزيرة» وغيرهم لنقل تقارير الحرب بشتى اللغات،
ولكن بمضمون واحد هو القتل والتدمير وإرهاب الآمنين، التنقل بين البلدات محفوف بالخطر إلى حد كبير على حد تعبير حسين سعد مراسل وكالة رويترز وتلفزيون الجديد، فالطرقات مهجورة والسيارت قليلة جدا على الطرقات ومظاهر الحياة معدومة في كل الأنحاء والأمكنة، في الحروب السابقة كنا نتنقل مع قوات حفظ السلام (اليونيفل) التي لم يعد لها أي دور اليوم في الجنوب، العدو يستهدف سيارات الإسعاف من صليب أحمر ودفاع مدني ومواكب الإعلاميين ليخفي مجازره حتى لا تنقلها عدساتنا إلى العالم وبالتالي هامش الحركة أصبح أضيق وتغطيتنا الميدانية محدودة.
سعد المكلف تغطية محور صور بنت جبيل اعتاد متابعة الحروب والاعتداءات الإسرائيلية لكن هذه الحرب تبدو بالنسبة له مختلفة عن سواها، فهي أشرس وأكثر شمولية وأشد فتكا برأيه، إذ يصل عدد الغارات اليومية إلى 100 غارة على المنطقة وأهداف الطائرات والبوارج هي سيارات مدنية تقل نازحين هاربين من النيران التي تحاصر قراهم وأبنية سكنية تعج بالنساء والأطفال ومراكز إنسانية وطرقات فرعية لم نتوقع يوما أن تكون هدفا للطائرات كنا نسلكها في الحروب السابقة،
لا مكان آمن في هذه الحرب يقول سعد ولا أحد بمنأى عن الاستهداف، لذلك فان مهمتنا في غاية الخطورة وأوضاعنا كمراسلين وسط المناطق المشتعلة مسألة صعبة أنهكت قوانا، فأنا لا أنام إلا ساعتين أو ثلاثا على الأكثر نصل الليل بالنهار التغطية مستمرة على مدار الساعة أستيقظ عند الخامسة فجرا لأوافي المحطة والوكالة بتقرير إخباري تليه تقارير عدة عن معارك بنت جبيل ومارون الراس
وأخرى عن أوضاع القرى والنازحين والمجازر وغيرها وأبقى مترقبا حتى الثانية بعد منتصف الليل، أبيت كل يوم في مكان مختلف فالوصول إلى منزلي في بلدة طيردبا التي تبعد خمسة كيلومترات عن صور متعذر، «لم أر عائلتي المحاصرة هناك منذ أسبوعين وهذا مبعث قلقي، أفتقد كل اشكال الحياة التي انقلبت إلى جحيم،أفتقد الأمان والراحة ووجوه الأطفال الهانئة».
مشاهدات كثيرة سجلها سعد منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان يصفها بأنها قاسية حتى العظم، فمازالت صور مجزرة مروحين التي ذهب ضحيتها 12 لبنانيا في مخيلتي ارتجفت عدسة الكاميرا أثناءها حتى كادت تسقط من بين يدي، كان جميعهم في سيارة البيك أب مكومين على بعضهم البعض لا يحمل ملامح وجه أو جسد اذابتهم الصواريخ فتحولوا إلى كتل لحم وحسب،
كانوا كلهم على نفس الصورة باستثناء فتى صغير يحتضن رغيف خبز ويضعه على صدره وهو ميت، تأثرت وبكيت وتوقعت الأسوأ من عدو اعتاد التنكيل بالجنوبيين وارتكاب المذابح بحقهم، كانت مجزرة لئيمة كما مجزرة صور التي استهدفت مبنى سكنيا يضم في طبقاته السفلى مركزا للدفاع المدني وأناسا أبرياء،
في ذلك اليوم بكت صور كلها الشهداء وأحدثت المجزرة فوضى كبيرة وهلعا حقيقيا في صفوف المواطنين، فصور هي المركز التجاري لأكثر من ستين قرية وقد ظلت تعج بالناس حتى بدأ العدو باستهدافها دون رحمة واستهدف بشكل خاص منطقة الحوش الواقعة في خراج صور ومعظمها من المغتربين في دول أفريقيا ،
حيث استشهدت عائلات بكاملها من بينها عائلة جمعة التي عجز الصليب الأحمر عن انتشال جثث أفرادها حتى يوم أمس وكنت برفقتهم فرأيت جثثا مقطعة خمسة من عائلة واحدة لا يجمع أحدهم جسد واحد كانوا أشلاء تنبعث منهم رائحة مميتة وقد زودنا عناصر الصليب الأحمر بكمامات وأدوية كي لا نلتقط أي فيروس، وعدنا معهم بعد ساعتين من العمل ونحن منهكون من مشاهد الرعب الحقيقية التي أدمت قلوبنا.
بعض المراسلين يمتلك جرأة فائقة يجازف حتى الرمق الأخير ولا يعود إلا وفي ذاكرة كاميرته العديد من صور الويلات التي تحكي قصص أناس قضوا قبل ساعات أو أيام وبيوتا تحولت إلى ركام وأطفالا أصبحوا مشردين وأيتاما ، هكذا هو حيدر حويلا مراسل وكالة الأسوشيتد برس وتلفزيون البي بي سي ،الذي يجول في قلب الموت المتنقل يحمل صور المذابح البشرية إلى مؤسسته لتبثها بدورها إلى شاشات العالم كله،
يقول حويلا أتوجه كل يوم إلى قرى محددة وفق حساباتي الخاصة فحدسي ينبئوني بتوقيت القصف وبدء الغارات وحتى الآن لم أتعرض لخطر فعلي إلا مرة واحدة عندما استهدفتني طائرة بصاروخ أخطأني على طريق عام صور الساحلي، تابعت طريقي بسرعة فائقة وقلبي يخفق بشدة حتى وصلت إلى مدينة صور لأنني لو احتميت بمحاذاة الطريق أو بأي فناء منزل ستلاحقني الطائرة حتى تنال مني،
الصحافي اللبناني يتميز بجرأة لا توجد لدى المراسلين الأجانب الذين يغطون معنا هذه الحرب، لأن القضية قضيتنا ونحن أعلم بجغرافية أرضنا نضحي بأنفسنا لنلتقط صورا لمجزرة حلت بأهلنا ليشاهدها العالم كله بينما هم يقيمون ألف حساب لتنقلاتهم، يضيعون بالتفاصيل، عندما يسقط صاروخ نحدد نحن المراسلين اللبنانيين مكانه والموقع الذي استهدفه في اللحظة نفسها كوننا أبناء البلد بينما هم يضيعون في التفاصيل ومع ذلك كله يتعامل العالم معهم وكأنهم أبطال الإعلام بينما نحن نبقى بنظرهم مراسلين محليين.
هذه الحرب التي كانت خصبة بالمفاجآت يصفها حويلا بحرب الإجرام والانتقام، يقول التقطت صورا لمعظم المجازر ولم تعثر عدستي على صورة واحدة لجثة عسكري أو مقاوم كلهم كانوا من الأطفال والنساء، وأكثر ما روعني مجزرة مروحين ومشهد صديقيّ من آل شمس الدين اللذين استشهدا قرب المبنى الذي سقط في مدينة صور علما انني كنت أجالسهما على القهوة الصغيرة المقابلة للمبنى المستهدف قبل ساعة بالتحديد، توجهت مسرعا لتغطية الخبر ونقل المعلومات للتلفزيون صورت جثتيهما دون أن أتعرف إليهما لشدة تشوههما وفي اليوم الثاني علمت أنهما استشهدا وكاميرتي عثرت عليهما، لم أجرؤ على مشاهدتهما مرة ثانية في شريط الفيديو الذي أحمله ولن أفعل أبدا.
يشهد كل لبناني على أن هذا الوطن سينهض مرة جديدة من تحت الردم لكن حويلا الذي عاين ميدانيا الدمار في معظم القرى يؤكد أن لبنان لن يعود لبنان قبل عشرين سنة، فالبساتين أحرقت والبيوت دمرت والطرقات تقطعت الشباب هاجروا والمغتربون الذين دفعوا جنى أعمارهم على منازل ضخمة وشاهقة سويت بالأرض لن يعودوا والنازحون إلى العاصمة رأوا الذل والمهانة والصامدون هنا خابوا من إهمال الدولة لهم، فهل يعقل أن يعيشوا لأيام على علبة سردين وكيلو طحين، الطعام مفقود في صور والقرى ولم تصل حتى اليوم أي من أطنان المساعدات سواء الغذائية أو الدوائية التي نسمع عنها، هل هكذا تدعم الدولة أهالي الجنوب وتعزز صمودهم ،الناس هنا تصرخ وتناشد ولا من يجيب أو يسمع.
يتعاظم دور المراسلين ويكبر عندما تكون الحرب هي موضوع التغطية، تزداد المخاطر وترتفع احتمالات الموت اثناء تنقل الصحافيين على وقع ضوضاء القذائف المتساقطة، والإعلام في هذه الحرب الغوغائية يشكل هدفا من ضمن أهداف العدو الذي بدأ مسلسله الإجرامي بحق أهل الكلمة مستهدفا فريق تلفزيون الجديد مطلع العدوان ما أدى إلى جرح ثلاثة إضافة إلى مقتل صحافية تعمل لدى الوكالة الفرنسية على طريق عام قانا صديقين بصاروخ غارة إسرائيلية،
ومحاصرة فريق تلفزيون العربية قبل أيام بالغارات والنار في منطقة حاصبيا ومن بينهم الزميل علي نون مراسل «العربية« الذي تحدث لنا عن تجربته المرعبة عندما حوصر فريق المحطة المؤلف من ثلاثة مراسلين في منطقة مثلث إبل السقي - مرجعيون حيث بدأت الطائرات تمطر السيارة التي تحمل شعار التلفزيون بالصواريخ،
ترجلنا وتركنا كل معداتنا فيها رحنا نركض داخل حقول الزيتون والموت يلاحقنا شنت الطائرات عشرين غارة في محيطنا تفرقنا كل في جهة وشعرنا أننا لن نرى بعضنا ثانية وأن هذه اللحظات هي الأخيرة في عمرنا، انتابني شعور بالخوف وبقرب الأجل إلى حد كبير تذكرت بحسرة أطفالي وأهلي، ركضنا بسرعة فائقة حتى وصلنا إلى مركز للصليب الأحمر في البلدة ، التقينا هناك جميعا تعانقنا بكينا وهنأنا بعضنا بالسلامة ثم تولت الجهات المعنية إجراء الاتصالات حتى تمكنا من سحب السيارة والمعدات.
ويقول نون مررت بلحظات صعبة جدا أثناء عملي في منطقة حاصبيا التي كنت مكلفا بمتابعة أحداثها فالخوف ليس وحده الأمر الصعب فهناك مواقف قاسية عشتها ونزف قلبي منها كرؤية الأهالي يتركون قراهم وبيوتهم وحقولهم التي تحولت إلى أرض محروقة،أو سقوط صاروخ على مبنى يبعد عن مكان تغطيتنا أمتار ونعرف جيدا أنه مبنى يعج بالأبرياء من نساء وأطفال وعجز وشباب أيضا لا علاقة لهم بالحرب،
كنت أشعر في تلك اللحظات بأرواح هؤلاء وهي تتمزق وبأجسادهم تتألم حتى اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت، لقد ساهمت في تغطية حروب عديدة كحرب العراق وأفغانستان حيث بقيت ستين يوما هناك، كلها برأيي متشابهة لكن ردات فعلنا هي المختلفة فالجنوب أرضنا وعاطفتنا تلعب الدور الفصل في التغطية الخبر مقدس والحياد كان واضحا في تعاطينا مع الخبر الذي كنا ندعمه بخلفياتنا الوطنية وانتمائنا ، العملية العسكرية على لبنان ضخمة والحرب همجية والضحايا دائما هم الأبرياء والمدنيين.
تلفزيون المنار التابع لحزب الله جند مجموعة مراسلين على الأرض لمواكبة مجريات العدوان، وكان أكثر الصحافيين عرضة للخطر مراسلي القطاع الأوسط في منطقة بنت جبيل ومراسل الضاحية الجنوبية ضياء أبو طعام ابن حارة حريك والناطق باسم أهلها النازحين وابنيتها المهدمة ،
لم يغادر ضياء منذ أسبوعين الحارة بعد أن خير ما بين الإمساك بالملف السياسي الإخباري أو النزول على الأرض والعمل ميدانيا، يقول اخترت أن أكون بين الناس أنقل معاناتهم لأنني أنتمي إلى هذه المنطقة تربيت فيها وتعلمت في مدارسها ولعبت في ملاعبها أهلها كلهم أهلي، أحصي كل يوم أبنيتها المهدمة التي وصل عددها إلى أربعين مبنى،
أمشي في طرقاتها فلا أعرفها خاوية من كل بشر وحياة شوارعها تشبه العدم جبال من الركام تغطيها، منزلي دمر ومنزل عائلتي وجيراني ودكان الحي كلهم أصبحوا من الماضي، أتنقل من منزل إلى آخر وأنام كل يوم في مكان داخل المنطقة لأبقى على السمع وأنقل الصورة والخبر لحظة بلحظة، لم يعد هناك دوام عمل كما في السابق الدوام مفتوح 24 ساعة كما هو حال الجبهة، ساعات النوم ضئيلة ومشاهد القتل والدمار مؤلمة،
المباني الشامخة تتهاوى بلحظة البرادات ممتلئة بالجثث والأسرة بالجرحى، الوجع كبير لكن الحياة دائما تأتي بعد القيامة وتعزيني أثناء عملي عزيمة البعض كالرجل الذي يسكن بمحاذاة المربع الأمني وقد دمر كل ما حوله ولا يزال صامدا في منزله يرفض المغادرة لشدة إيمانه بمشيئة الله وبضرورة الصمود ومواجهة العدو بالتشبث بالأرض، نحن أقوياء بإيماننا ومؤمنون بالانتصار على العدو الذي نكل بشعوبنا العربية منذ نصف قرن وأكثر وارتكب مئات المجازر بحق أهلنا في لبنان وفلسطين، لذلك نقوم بعملنا الصحافي بقوة وقناعة نهزم الخوف لنؤدي واجبنا تجاه وطننا وقضاياه المحقة.
بيروت ـ ثناء عطوي:
