في مواجهة أحد أقوى جيوش العالم لا يزال مقاتلو حزب الله يقاتلون الدبابات الإسرائيلية ويمطرون إسرائيل بالصواريخ عبر الحدود ويحرمون الإسرائيليين من الآمال في تحقيق نصر سريع في الحرب المستمرة منذ 18 يوماً في لبنان. وتشعر إسرائيل بالقلق من التورط في احتلال جديد لجنوب لبنان بعد ست سنوات فقط من الانسحاب منه تحت وطأة نيران حزب الله. وقررت عدم شن غزو بري واسع النطاق والتمسك بدلا من ذلك بمواصلة استراتيجية الغارات الجوية والقيام بهجمات برية محدودة.

ويعد إحجامها عن اجتياح لبنان إشادة ببراعة مقاتلي حزب الله. وكانت إسرائيل اجتاحت لبنان في العام 1982 لطرد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية وقتلت أكثر من 20 ألف لبناني وفلسطيني في العملية. وقال حسن نصرالله الامين العام لحزب الله في خطاب مسجل الأسبوع الماضي «أي مجيء لجيش الصهاينة إلى أرضنا سيعطينا فرصة أوسع لتدمير المزيد من ضباطه وجنوده ودباباته وطائراته».

وقال المستشار السابق لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان تيمور غوكسيل ان قيام إسرائيل بإعادة احتلال لبنان هو «حلم حزب الله». وتابع أنهم «لا يريدون مواجهة القوة العسكرية الإسرائيلية وجها لوجه قرب الحدود وانما يريدون جرها إلى لبنان.. وإطالة خطوط إمدادها ثم بعد ذلك يبدأون توجيه الضربات إليها».

وفقدت إسرائيل نحو ألف جندي أغلبهم في هجمات لحزب الله خلال احتلالها الذي دام 18 عاما لجنوب لبنان.ويشير روني دانييل مراسل شؤون الدفاع بالقناة الثانية بالتلفزيون الإسرائيلي إلى أن عدد القوات الإسرائيلية التي تقاتل حزب الله داخل لبنان حاليا أقل من ربع عدد القوات التي دخلت لمحاربة مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية وقوات الجيش السوري التي انتشرت هناك في العام 1982.

في تلك الحرب كان السوريون في قواعد عسكرية كما كان المقاتلون الفلسطينيون أيضا في مواقع ثابتة ومخيمات للاجئين. وكانت مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في القرى والبلدات في أنحاء لبنان أهدافا سهلة أيضا. غير أن حزب الله لا يقاتل بهذا الشكل. وقال غوكسيل «هؤلاء (مقاتلو حزب الله) يعملون في مجموعات لا تزيد على 20 شخصا... يمكنهم إخفاء بنادقهم لكن لا يمكنك تدمير مؤسستهم العسكرية».

ودمرت إسرائيل المجمع الرئيسي لحزب الله في بيروت غير أن الجماعة لا تحتفظ بمكاتب في أماكن أخرى. وأخلى قادتها منازلهم مع بداية الصراع. وأعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي اللفتنانت جنرال دان حلوتس استدعاء 15 ألفا من قوات الاحتياط وقال الخميس ان الجيش ألحق أضرارا «ضخمة» بحزب الله وسيواصل عملياته حتى صدور الأوامر بالتوقف أو اكتمال المهمة.

وواصل حزب الله مقاومته الصلبة في الجنوب ما جعل نصر الله بطلا شعبيا لدى العرب رغم أن بعض اللبنانيين يشعرون بالغضب بعدما تسببت بعض أعماله في هذا القدر الكبير من إراقة الدماء والخراب ببلادهم. وتمكن حزب الله من قتل 33 جندياً إسرائيلياً منذ بدء الصراع بعد أسره جنديين في غارة عبر الحدود في 12 يوليو. وفشل القصف الإسرائيلي العنيف في وقف الهجمات الصاروخية لحزب الله التي وضعت المدنيين الإسرائيليين على خط النار وهو وضع لم يتعرضوا له منذ أطلق الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين صواريخ سكود على إسرائيل في العام 1991.

وسقطت صواريخ حزب الله داخل العمق الإسرائيلي لتصل إلى مدينة حيفا وتقتل إجمالا 18 مدنياً. وقال ألون بن ديفيد محلل شؤون إسرائيل في مجلة جينز ديفينس ويكلي «حزب الله عالم منفصل عن لعب القذائف الصاروخية الفلسطينية». وأضاف «انه ليس ميليشيات حركة فتح البالية.. وإنما هو في الواقع فرع من القوات الخاصة الإيرانية». غير أنه باعتباره حركة لبنانية محلية جزء منها ميليشيا وجزء آخر حزب سياسي وجزء ثالث شبكة اجتماعية فان مصالح حزب الله لا تعكس بالضرورة مصالح حلفائه.

وقال بن ديفيد إنه «في عام 1982 لم يكن بإمكان اللبنانيين الجنوبيين مواجهة المسلحين الفلسطينيين وكانوا ينظرون إليهم باعتبارهم دخلاء يتصفون بالعنف. على النقيض من ذلك.. فجنوب لبنان هو معقل حزب الله.. والحزب يحصل على الرجال ويستمد الدعم من السكان المحليين». وأضاف «انه يتمتع بمعرفة فطرية للأرض التي مكنته حتى الآن خلال تلك الحملة الإسرائيلية من مراوغة قوات الدفاع الإسرائيلية ونصب كمائن لها بنجاح».