تسرع سيارة تلو أخرى باتجاه الشمال على الطريق الساحلي المؤدي للعاصمة اللبنانية بيروت. كل سيارة مزينة باللون الأبيض...أعلام وقمصان وملاءات وحقائب بلاستيكية بل ورايات بيضاء مربوطة بالهوائيات أو مثبتة بمقعد السائق أو متدلية من النوافذ أو كاسية السقف فان الإعلام محاولة يائسة لدرء قنابل المقاتلات الإسرائيلية التي دمرت جنوب لبنان وقتلت المئات وأصابت الآلاف بالصدمة.

السيارات مكتظة عن آخرها، معظم من فيها من النساء والأطفال حيث ينحشر خمسة وستة أفراد في وقت واحد في المقاعد الخلفية لسيارات الأجرة المتهالكة كلهم يفرون من القتال العنيف الدائر قرب الحدود مع إسرائيل. تقف امرأة عبر فتحة سقف إحدى السيارات المكتظة وجهها مكسو بالتراب وتحمل قطعة من القماش الأبيض ترفرف في الريح. ويميل فتى صغير خارج نافذة سيارة جيب حاملا عصا طويلة مربوط في آخرها علم ابيض.

ومع توجههم نحو الشمال تذكرهم آثار القصف الإسرائيلي على امتداد الطريق بشكل مستمر بالخطر الحقيقي الذي يحلق فوقهم والذي أجبرهم على النزوح عن ديارهم.الطريق الساحلي السريع الرئيسي أصابته القنابل بالشلل فقد أحدثت ثقوبا في الجسور مخلفة فجوات في الخرسانة السميكة حيث تناثر الصلب المقوى خارجها من جراء الانفجارات.

أشياء أخرى تذكر بالخطر.. محطة وقود متفحمة ومبان سويت بالأرض وأنقاض متناثرة عبر الطريق وسيارة حمراء مدمرة في قاع حفرة هائلة. صفارات إنذار وأضواء سيارات الإسعاف تومض حيث تسرع باتجاه الجنوب لنقل مزيد من الجرحى.

نحو الجنوب أيضا تتجه قافلة مساعدات تابعة للأمم المتحدة من عشر شاحنات محملة بالطعام والإمدادات الطبية للجنوب متجهة إلى الجنوب الشرقي من بيروت عبر التلال تمر ببلدات ما زالت مزدحمة تقع فوق أودية مشجرة. لكنها حين تبلغ الطريق الساحلي تمر بمنتجعات شاطئية مهجورة وبلدات صغيرة كل المتاجر الموجودة بها تقريبا مغلقة وحيث يندر وجود الناس. في إحداها لم يكن هناك سوى بضعة رجال طاعنين في السن جالسين على مقاعد بلاستيكية يدخنون ويراقبون ما يجري.

بعد أن تقدمت القافلة ببطء فوق معبر مؤقت لأحد الأنهار تتوقف في مجاز ضيق ومترب هو الطريق الوحيد المتبقي بعد أن دمر الطريق الرئيسي.هناك ازدحام مروري. القافلة ليست بعيدة عن ميناء صور وعن النزوح الجماعي اليائس من الجنوب لكن طوابير السيارات والحافلات الصغيرة فاقت الشاحنات الوافدة وحبستها في مجازاتها.تلي ذلك مشاجرات.. فلا أحد يريد أن يقف منتظرا في الصف.

تمر نحو ساعة ومع إطفاء محركات السيارات يمكن سماع دوي القنابل الإسرائيلية وهي تضرب التلال القريبة بعنف مما يصيب الناس بالتوتر الشديد. انفراجة أخيرا فمن هم متجهون إلى الشمال يمنحون الأولوية ويتحركون إلى الأمام. «مع السلامة... مع السلامة» هكذا صاحت امرأة وهي تبتسم وتلوح للقافلة.تمر الشاحنات من أمام الحفر التي سببها القصف الإسرائيلي على مشارف صور وسرعان ما تصل إلى وجهتها.

ومع جر أكياس الطعام إلى مرأب تحت الأرض لتخزينها يذكر الصوت المزعج للطائرات الإسرائيلية بدون طيار التي تحلق في الجو بأن المدينة مراقبة من فوق بشكل مستمر.المقاتلات الإسرائيلية تزأر محلقة في الجو مرارا وتكرارا ثم تطلق قنابل.واحدة تضرب الضواحي الخارجية لصور فيتصاعد عامود آخر من الدخان الأسود إلى السماء الزرقاء.. فيما بعد تهز انفجارات هائلة وسط المدينة وهي المرة الأولى التي يضرب فيها منذ أكثر من أسبوع وهو إضرار متعمد.

سويت بناية سكنية بالأرض ويفتش الجيران الأنقاض بحثا عن ناجين حيث تتصاعد ألسنة اللهب ويملأ الدخان الجو.ثم يصاب الناس بالذعر فيركضون في كل اتجاه. إنهم يخافون من أن يكون مزيد من القنابل في الطريق إليهم لكن ما من مكان آمن ليركضوا إليه.

(رويترز)