تشتعل تلال جبل عامل الخضراء في جنوب لبنان التي كانت حتى الآن هادئة، تحت القنابل الاسرائيلية لكن عبدالرحمن يبقى جالسا لا يتحرك امام باب دكان مغلق. وتدوي اربعة انفجارات وترتفع سحابة من الغبار والشظايا الى السماء في قصف منزل على تلة تبعد 500 متر تسحقه طائرة اسرائيلية مقاتلة. لكن هذا الطالب في كلية العلوم بجامعة لبنان وهو في التاسعة عشرة لا يحرك ساكنا ولا يهتز حتى لدوي الانفجارات.
وقال الشاب الطويل القامة المكتمل العضلات ومن حوله ستة من رفقائه «لن ارحل! هذه مملكتي». وقد نزح مئات الآلاف من سكان صور من منازلهم منذ اندلاع الهجوم الاسرائيلي في الثاني عشر من يوليو والحصار المفروض على لبنان . لكن عديدين يرفضون الرحيل سواء بدافع الاعتزاز الوطني او خوفا من التهجير ويتمسكون بممتلكاتهم ومنازلهم وعاداتهم بينما لا يستطيع آخرون الرحيل الى الشمال لأنهم ببساطة لا مال لهم و لا سيارات.
وافادت منظمة «الطوارئ الأولى» الفرنسية غير الحكومية وهي من المنظمات الخيرية القلائل التي تعمل في لبنان ان نحو ثلاثين الفا من السكان ما زالوا متشبثين بقراهم الحدودية بينهم العديد من الفلاحين والمزارعين الذين يكسبون عشرين دولارا يوميا من زراعة التبغ او من التجار الصغار. لكن بعضهم يبقى هناك من منطلق الشعور بالواجب او «لمقاومة العدوان الاسرائيلي» كما يقولون، رافضين الخضوع للقوة الإسرائيلية.
ويساعد الاكثر ثراء منهم مواطنيهم المعوزين بالمال وينتظمون بحثا عن اغذية وادوية وفرش واغطية ويعتبرون انهم يقاومون اسرائيل على طريقتهم. وبدلا من استخدام البنزين الذي ملأ به خزان سيارته للفرار، يتحدى محمد حماده (20 سنة) القنابل الاسرائيلية ويساعد على ترحيل سكان القرى المعرضة للقصف.
وقال «اقوم بما اقدر عليه. اساعد الجرحى والمسنين الذين يصعب عليهم المشي. لست طبيبا ولا نبيا. لكن الناس بحاجة الى طمأنتهم ويسألون متى ستختفي طائرات «اف 16» الاسرائيلية التي يطلقون عليها اسم «آلات الموت» من سماء لبنان. لا يسعني ان اقدم لهم الكثير لكنني لا استطيع الرحيل».
وفي صور لم تتح الفرصة لنبيل حرقوص الطبيب الجراح الشاب في المستشفى الحكومي ليقرر هل يبقى ام يرحل مؤكدا هذه ايام عديدة وانا اقطع واخيط. انا طبيب ولا يمكنني ان اخون قسمي. ويطغى على بعض رجال الاغاثة شعور بالعجز حتى ان احمد يؤكد: انا واثق ان ثمة جثثا كثيرة تحت الانقاض قرب الحدود، مضيفا لكن ليس لدينا لا الامكانيات المادية مثل الرافعات لانتشالهم ولا التراخيص اللازمة للتوجه الى هناك.
واستهدفت سيارات الاسعاف مرات عدة على ما افاد رجال الاغاثة. وقد سحق احد زملائه في سيارة اسعاف رسم عليها شعار الهلال الاحمر، بنيران مروحية اسرائيلية. وفي قرية قانا التي قصفت مرارا انهارت المنازل كالورق. وما زالت الطائرات تهاجم الانقاض ومع ذلك قررت امينة عضاضة مع زوجها وابنها في الثانية من عمره العودة. وقالت «نفضل الموت بكرامة في منزلنا بدلا من العيش كاللاجئين».
وقبل عشر سنوات دفع سكان قانا ثمنا باهظا لحرب اخرى بين حزب الله واسرائيل انتهت باتفاق لحماية المدنيين. وقد قتل 105 منهم كانوا لجأوا الى معسكر لقوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة في قصف اسرائيلي. واثارت المجزرة حينها استنكارا في العالم بأسره ما ارغم اسرائيل تحت الضغط الاميركي على وقف عملية عناقيد الغضب الاسرائيلية التي كانت ايضا تهدف الى تدمير قدرات حزب الله العسكرية.
(أ.ف.ب)