كانوا يصطفون بالآلاف عند مدخل قاعة «بيال» على الجانب البحري المحاذي لمنطقة وسط العاصمة اللبنانية.. جميعهم كنديون، غالبيتهم لبنانيون يحملون الجنسية الكندية، التي بات جواز سفرها أشبه ببساط ريحٍ يعولون عليه لانتشالهم من محيط الموت الذي أمسى عليه بلدهم.

فالاعتداءات الإسرائيلية جعلت من الأطفال والمدنيين وطواقم الإغاثة وحتى الصحافيين، أهدافاً مشروعة لصواريخها وقنابلها، التي لا سلمت منها قرى لبنان، ولا مدنه، ولا بناه التحتية.

كانوا يقفون تحت لهيب الشمس منذ الصباح الباكر، في تلك البقعة القريبة من مرفأ بيروت، حيث تنتظرهم البواخر، التي تقلهم إليها حافلات، بعد القيام بالإجراءات اللازمة من قبل عناصر وضباط من الأمن العام اللبناني تحت إشراف موظفين وضباط من السفارة الكندية.وجوه من كانوا «ينتظرون الفرج»، كانت متجهمة. كانوا من كل الأعمار، بدءاً من الرضَع وصولاً إلى سن الكهولة.

سألنا في المكان عن شخص من السفارة الكندية يكون مخولاً للحديث إلى الإعلام، لأن من التقيناهم في البداية، تجنبوا الإدلاء بأي تصريح لأنها ليست مهمته ..دلونا على شاب يدعى ديريك وهو أحد الضباط في السفارة، فقال لنا انه لا يمكن إعطاء موعد محدد لعملية إجلاء رعايا بلاده، لأن الأمر مرتبط بوصول البواخر التي ستقلهم خارج لبنان، مشيراً أنه خلال الايام المقبلة ستصل سبع سفن، وتوقع أن يصل المزيد منها لاحقاً.

وأوضح أن السفن التي كان يتم نقل المغادرين إليها لم تكن الأولى، وأن طاقم السفارة لا يزال في طور وضع تصور بشأن أرقام الناس التي ترغب بالمغادرة، هي حتى اللحظة التي كنا نعمل على هذا التحقيق، كانوا يعدون بالآلاف، متوقعاً قدوم المزيد من الناس.وأضاف أن أصغر رقم لهؤلاء في البداية كان سبعة آلاف، ثم تتطور إلى 30 ألفاً، مرحجاً أن يزداد، مع تواصل تدفق الناس.ديريك، لم يكن يعلم الوجهة التي ستنطلق إليها السفن، علماً أن الوجهات المعهودة هي المرافئ القبرصية والتركية، حيث لا قصف ولا موت ولا دمار، ومنها عبر الجو إلى كندا. لكنه شرح أن مهمته، ومن معه من السفارة، هي التأكد من مسألة الإجراءات المتعلقة بالسفر من جوازات وغيرها.

كان الضابط الكندي واثقاً من أن حكومة بلاده قامت بالاتصالات الدبلوماسية اللازمة لتأمين سلامة مواطنيها الذين سيغادرون من مرفأ بيروت، الذي سبق وأن تعرض لاعتداءات إسرائيل بالصواريخ.نينا كانت تقف هي وصديقة لها وبناتهما في الصف بانتظار الختم على جوازات سفرهن قبل الصعود إلى إحدى الحافلات.

جاءت نينا إلى لبنان مع ابنتيها بعد غياب نحو أربع سنوات، لتمضية الصيف في بلدة رياق البقاعية، لكن إجازتهن تحولت إلى جحيم عندما بدأت الاعتداءات الإسرائيلية، إذ استهدفت الطائرات المعادية مطار رياق العسكري، بعدما عطلت بصواريخها مدرجات مطاري بيروت حالات.

وأوضحت كيف أن ابنتيها خافتا من أصوات القصف الذي لم تعتادا عليه من قبل، وكيف كانتا تشرعان بالصراخ كلما سمعتا قصفاً، ما اضطرها إلى مغادرة منطقة الرياق إلى منطقة زحلة التي تعرضت الطرق المحيطة بها للقصف، وعندها أدركت نينا أن لا أمكنة آمنة في هذا البلد، فقررت أن تغادرها عائدة إلى كندا بمجرد، سماعها بنبأ تنظيم السفارة لعملية إجلاء رعاياها. وتمنت السيدة الأربعينية أن يعود لبنان إلى سابق عهده و«أن تذهب هذه الغيمة السوداء التي تمر فوق سمائه لأنه دفع ومواطنوه الكثير» جراء الحروب التي شهدتها أراضيه.

وعن إحساسها وهي تغادر بلدها تاركة خلفها عائلة وأقارب، قالت «قلبي يعتصر، ولكن أملنا بالله كبير وهو لا يترك أحداً.لن أقول انني لن اعود إلى لبنان.وما أن تهدأ، ولو كان ذلك الشهر المقبل، فسأعود ومعي فتياتي لكي نتنزه ونمضي وقتاً طيباً هنا».

ابنتها ماريا، 13 عاماً، قالت بلغة عربية ركيكة، ثم بإنجليزية أفضل حالاً، انها شعرت بالخوف من القصف في بادئ الأمر، لكنها اعتادت على الأمر.وأضافت بنبرة من خاب أمله «كنت آمل أن أتمتع بوقتي خلال هذا الصيف، وأن أذهب إلى الجبل والبحر كثيراً...كل ما نريده هو السلام ونعلم أن الله لن يخذلنا».

ماري وشقيقتها ووالدتها جئن إلى لبنان منذ أسبوعين فقط، وكان يفترض أن يمضين الصيف بطوله هنا، في بلد عائلتها، الذي أكدت انه كان بلداً جميلاً قبل أن ينهمر عليه القصف. وقالت «انه أجمل من أن تضربه القنابل، وفيه عراقة التاريخ، في الحقيقة، إنهم يفسدون التاريخ، ومن المحزن أن تشاهد كل ذلك يختفي».

نيكول، عمرها 10 سنوات وكانت تقف أيضاً مع والدتها مع من ينتظرون دورهم، ولم تكن أقل طلاقة في التعبير عن غضبها لأن ما حدث خرب عليها عطلتها التي كانت تحلم في ان تكون جميلة وممتعة.لكنها اضافت أن ذلك لن يمنعها من العودة مجدداً، وأكدت «بحق لم أكن أرغب بالرحيل، لانني لست خائفة فعلاً..»، ثم اعترفت «ربما خفت قليلاً عندما كنت أسمع صوت القصف وكان صوته عالياً، فأشعر أنه قريب منا، خصوصاً في الليل، هذا أكثر ما كان يخيفني، لأنني كنت أشعر للحظات أنني سأموت».

جاء هيثم إلى لبنان، بعد نحو 10 سنوات من الغياب، لكي يمضي نحو أربعة أشهر في لبنان، بين أهله وأصدقائه، وإذا بالهجمة الإسرائيلية على بلده تجبره على مغادرته على هذا النحو، الذي وصفه بالمذل، مذكراً بأنها ليست المرة الاولى التي يتعرض البلد لما يتعرض على يد الصهاينة، لكنه تمنى أن تكون الأخيرة.

يوسف يوسف، الذي كان يوصل ولده إلى مكان تجمع حملة الجنسية الكندية تمهيداً لإجلائهم، قال انها الزيارة الاولى لولده منذ اربع سنوات، مشيراً إلى ما عانوه خلال نحو 10 ساعات من الانتظار تحت أشعة الشمس الحارقة ومعهم حفيده الرضيع، وآسف للدمار الذي يتعرض له لبنان، متمنياً لو يتحمل المسؤولون فيه مسؤوليتهم ويتصرفون وفقاً لما فيه مصلحة البلد ومستقبله.

...لا شك أن هؤلاء «الكنديون» وغيرهم من الفرنسيين والاميركيين والأستراليين وكثيرين من الجنسيات الأخرى، كانوا أوفر حظاً من غيرهم من اللبنانيين الذين لا يحملون جنسية أخرى تمنحهم الأمان، كلما خَطَرَ لذاك الجار المتنمر لكي يطلق جحيمه على بلدهم.

مرفا بيروت والجهة البحرية المقابلة له، كانت مكتظة بأكثر من 13 سفينة حربية ومدنية أميركية وفرنسية يونانية وروسية وهندية وأسترالية وكندية بالطبع، وحتى هندية.هذه السفن ستغادر جميعها قريباً، واحدة تلو الأخرى، وسيبقى اللبنانيون، وحدهم من دون حماية، لأن ثمة طباخاً كبيرا مولعا بالجعرافيا يعد، بأيدي ولد مدلل وأرعن، خريطة جديدة للمنطقة أطلق عليها اسم «الشرق الاوسط الجديد»، بعدما كان يفكر قبل سنوات بمسمى آخر هو «الشرق الاوسط الكبير».. فهل يسلم من تبقى من اللبنانيين في بلدهم قبل أن تتبلور خريطة فرانكنشتاين، أم تتحقق على ركام بلد؟!

بيروت ـ سهيل شهاب: