بعد محاولات حثيثة ومضنية للإفلات من سطوة الصواريخ الإسرائيلية التي قصفت بعنف شديد قرى الجنوب اللبناني والبيوت الآهلة بالسكان، تمكنت عائلة حسن بزون من قرية عيتيت الهرب والنجاة بأعجوبة بعدما قطعت مسافات طويلة تحت وابل نيران الطائرات التي لم توفر السيارات المدنية والإسعاف، فكان الرعب حليفها طوال كابوس السير نحو قرية ياحون المجاورة، آملة بإيجاد مكان أكثر أمناً.
العائلة المؤلفة من أب وأم وثلاثة أطفال تعرضت للحصار مدة عشرة أيام في بلدة ياحون بعدما تقطعت جميع الطرق المؤدية إلى بيروت ما حال دون تركهم البلدة وانقطاع الاتصال بينها وبين الأقرباء في القرى المجاورة مثل عيترون. عن المعاناة القاسية والأليمة التي تعرضت لها العائلة تقول الأم فاطمة برونس: «كنا نتوقع في أي لحظة أن نصاب بصاروخ إسرائيلي،
فقد تكثفت الغارات بشكل غير طبيعي ويفوق التصوّرات، كل شيء كان مرعباً، حاولت قدر المستطاع تهدئة روع أطفالي الثلاثة، لكن أصوات الانفجارات قضت على أي جهد مني، وما زاد الأمر تعقيداً خطورة السير على الطرقات بعدما وصلتنا الأخبار من سكان البلدة أن الطائرات الإسرائيلية تستهدف المدنيين بمن فيهم الأطفال، فاضطررنا للبقاء أياماً رغم انعدام وجود المواد الغذائية وعدم توفر الأدوية».
وتضيف: «انهارت أعصابي تماماً بعدما وردتنا أخبار عن المجازر التي وقعت في قرية عيترون في الوقت الذي توجد فيه عائلة أختي هناء وطفليها تحت الحصار والنيران، ولم نتمكن حتى هذه اللحظة من الاتصال بها والاطمئنان على عائلتها رغم المحاولات الكثيرة التي قمنا به». الخروج من بلدة ياحون لم يكن أمراً سهلاً بعدما تقطعت جميع السبل المؤدية إلى بيروت وإمطار المنطقة بكاملها بكميات كبيرة من القنابل والصواريخ، لذا كان الحلّ الوحيد المخاطرة والمجازفة الأخيرة عبر الانطلاق بسرعة قياسية أملاً بتجاوز سرعة الموت المقابل، فسلكنا الطريق الداخلي للجنوب لجهة جزين شرق صيدا وصولاً إلى عاليه باتجاه الضاحية الجنوبية.
عائلة بزون التجأت إلى منطقة محاذية للضاحية الجنوبية رغم تعرض المنطقة لقصف إسرائيلي مركّز ليل نهار إلاّ أن المثل القائل بأن «من يقبل بالمرّ فالأمرّ منه» ينطبق تماماً على معظم النازحين اللبنانيين من الجنوب.ولا يخفى أيضاً أن أفراد العائلة يعانون من نقص حاد في المستلزمات اللازمة كالمواد الغذائية الأساسية والأدوية الطبية، ولا يزالون تحت وقع الصدمة المدوّية التي واجهتهم بغتة منذ بدء الأحداث الأليمة.
والسؤال الكبير الذي يرتسم في أذهان هؤلاء هو المصير المجهول الذي ينتظرهم بعد هدوء الإعصار الإسرائيلي الذي فتت البيوت والمنازل وقضى على كل بارقة أمل لعودتهم إلى القرى بأمان، وهم لا يمتلكون أي منازل بديلة عن تلك التي دمّرت تماماً ويحتاج إعمارها إلى وقت طويل، كما يرتسم سؤال أكبر عن قدرتهم على الصمود طويلاً في حال استمر الوضع المتأزم تصاعدياً مع انعدام توفر عمل لأرباب العمل وحاجتهم للمواد الأساسية للعيش الكريم.
بيروت ـ فاطمة داود
