من قلب الحزن والدمار تأخذنا ملامح الحياة في بعض مناطق لبنان إلى ذروة التحدي، فلطالما كان هذا البلد الصغير عصيا على الشدائد لا يشيخ أو يتعب يرفع الركام ويمسح القهر ويغلق نبع الحزن المتدفق كل مرة، وما تشهده قرى الاصطياف الجبلية كبرمانا وبحمدون وعاليه وغيرها من توافد عدد كبير من المصطافين في تحد ومواجهة مع الظلم، واستيلاد الفرح والتغلب على القهر،

فاللبنانيون يصرون رغم الدمار الذي حل ببلدهم والحصار المفروض على مناطقهم وتقطع شرايين مواصلاتهم واتصالاتهم على الاستمرار بعزيمة أقوى يساندهم في ذلك موقف بعض الاخوة العرب ممن كانوا قد وصلوا إلى لبنان قبيل أيام من بدء العدوان لتمضية فصل الصيف ورفضوا المغادرة متخذين من المناطق الجبلية الآمنة مقرا لإقامتهم.

المصطافون في لهيب الحر والحرب تحدثوا لـ «البيان» عن هذه المفارقة وعن الأسباب التي دفعتهم للجوء إلى مصايف لبنان، وقالت السيدة منال دامر وهي أم لولدين وزوجة مهندس مدني يعمل في دولة الإمارات، اعتدنا كل صيف أن نهرب من قيظ بيروت نحو بلدة برمانا المعروفة بطقسها الجميل ومقاهيها الفاخرة التي تعج بالحياة، لكننا مع انطلاق العدوان الإسرائيلي هذا العام لم نكن قد بدأنا بعد موسم الاصطياف الفعلي وعلى اثر اشتداد الأزمة توجهنا من بيروت إلى برمانا لنبتعد عن أجواء الحرب إلى حد ما وننجو من أخطار محتملة،

وفوجئت بعدد الناس هنا الذي يفوق أعداد السياح والمصطافين كل صيف وأدهشتني روح اللبنانيين الذين يواظبون على التمتع بأبسط ملذات الحياة بدءا من الجلوس على القهوة وتناول الأرجيلة والسهر إلى ما بعد منتصف الليل في أماكن السهر المخصصة والمطاعم، وتقول صحيح ان المشهد يبعث على التفاؤل لكن القلب حزين ومعظم الناس يشعرون بالقهر على وطنهم وما يجري فيه من جرائم حرب، وأكدت أن برمانا اليوم هي غيرها في المواسم السابقة فالغلاء فاحش والأسعار تجاوزت المعقول والمنطق والبعض يريد استغلال الظرف واقتناص جيوب الناس الهاربين من جحيم مناطقهم،

وأشارت إلى أن سعر الغرفة في اقل فندق وصل إلى 200 دولار وفي أفخم الفنادق تجاوز الـ 600 دولار في اليوم الواحد وبيعت قارورة الغاز بـ 50 ألفا وفرشة الأرض بـ 100 دولار وكيلو الكرز بعشرة آلاف وهكذا دواليك، وأكدت أن هذا العمل لقي شجبا من قبل بعض السكان الذين أدانوا استغلال التجار وعدم مراعاة ظروف التهجير القسرية التي فرضت على اللبنانيين، وأكدت أن برمانا لطالما كانت باهظة لأنها مصيف للطبقة الميسورة وللخليجيين بشكل خاص لكن حتى الصيف الماضي لم تشهد جنون في الأسعار كما هو الحال اليوم.

وقالت منال انها تخرج يوميا مع أولادها إلى السوق والمقاهي لتهرب من شاشات التلفزة ومتابعة الأخبار المؤلمة بمعظمها لكن حتى المقاهي ثبتت ولضرورات المرحلة شاشات كبيرة في قاعاتها للوقوف على آخر التطورات حيث يجتمع الناس يوميا ويتابعون الأخبار والمستجدات، معتبرة أن اللبناني صار أكثر رغبة على الابتعاد نتيجة الحروب الكثيرة التي عاشها ولم تنته فصولها بعد.

وتعتبر مريم الحاج التي ولدت وعاشت في برمانا أن المقاهي التي كانت تفتح ظهرا صارت تستقبل الزبائن منذ التاسعة صباحا وتبقى مستمرة بالعمل حتى الثالثة فجرا، وذلك مرده إلى أن الأمكنة تضيق بناسها الذين يلجؤون إلى المقاهي والمطاعم ليخففوا من الضغط على الغرف المكتظة بالناس ومعظمها شقق مفروشة وغرف فنادق صغيرة ، ولفتت إلى أن فنادق برمانا لم تشهد زحمة مماثلة على الإطلاق وصار إيجاد غرفة في فندق أو شقة فارغة ضربا من الخيال،

معتبرة أن صبر اللبنانيين نفد من الحروب التي استهلكتهم فصاروا يفضلون إما السفر كما شاهدنا منذ بداية العدوان أو النزوح إلى مناطق داخلية آمنة نسبيا، لافتة إلى وجود خليجيين من مختلف الجنسيات حتى اليوم في برمانا ومعظمهم من أصحاب البيوت المملوكة الذين اعتادوا تمضية الصيف عندنا.

بيروت ـ ثناء عطوي