مع استمرار تدفق النازحين من جنوب لبنان إلى العاصمة التي لا تزال أكثر أمانا نسبيا في اليوم الثاني عشر للعدوان الاسرائيلي، بدأت بعض أصوات سكان بيروت تعبر عن التذمر من تدفق المهجرين الجنوبيين إلى أحيائهم. وأعربت مي، وهي برجوازية لا تشعر بالكثير من التعاطف تجاه مواطنيها الهاربين من القصف الإسرائيلي، عن تبرمها إذ قالت «صارت أحياؤنا تشبه الضاحية الجنوبية مع انتشار المحجبات والنساء اللواتي يرتدين التشادور».
وتخشى مي أن تطول إقامة اللاجئين في الأماكن التي استقروا فيها، كما حدث خلال مراحل أخرى من الحرب مع اسرائيل، وتحديدا في العامين 1982 و1978. وفي الأيام الأولى للأزمة الحالية، استقر حوالي 60 ألف لاجئ من الضاحية الجنوبية والجنوب في المدارس الرسمية، حيث تتولى مبدئيا متابعتهم اللجنة العليا للإغاثة، وهي هيئة رسمية لبنانية.
بيد أن المخاوف الواسعة من احتمال شن اسرائيل حملة عسكرية برية كبيرة على لبنان، والإنذارات التي وجهتها لإخلاء قرى جنوبية من سكانها، زاد من تدفق اللاجئين إلى العاصمة بصورة كبيرة. ويواصل عشرات الآلاف من الهاربين من الموت المحدق بهم الوصول إلى العاصمة في حافلات وسيارات رفعوا عليها رايات بيضاء أملا في أن تجنبهم الغارات الاسرائيلية.
ويقول حسين، رب عائلة هرب مع أطفاله من مدينة النبطية الجنوبية «صمدنا حتى أمس. بيد ان قذيفة إسرائيلية سقطت على بعد 200 متر من منزلنا وحطمت زجاج كل النوافذ. فقررنا النزوح مع كل سكان الحي». وقال أحد مسؤولي الإغاثة، نزار رمال، «عدد المهجرين يزداد يوميا في بيروت، في وقت باتت المدارس والأماكن العامة عاجزة عن استيعاب المزيد»، في حين تمكن الميسورون من استئجار شقق مفروشة في أحياء بيروت السكنية، أو حجزوا غرفا في فنادق العاصمة، لكن هناك حوالي 300 من فقراء اللاجئين افترشوا الأرض في حديقة الصنائع، على بعد 200 متر من المقر المركزي للصليب الأحمر اللبناني.
بالمقابل، يُمني الآخرون النفس بالاستقرار في شقق بيروت الفخمة، وتجوب مجموعات من اللاجئين أحياء الأثرياء في بيروت، في مربع سوليدير في وسط العاصمة اللبنانية، حيث تبلغ قيمة بعض الشقق السكنية مليوني دولار، بحثا عن مكان يبيتون فيه الليل. ونقل صحافي من وكالة «فرانس برس» ان الجنود وعناصر الشرطة منعوا العشرات من اللاجئين من احتلال شقق خالية من السكان.
واستعان عصام، وهو مالك بناية فخمة بخدمات شركة حماية خاصة لصد العشرات من اللاجئين كانوا ينوون احتلال إحدى الشقق فيها. وقال «اتصلت بأحد ضباط الدرك فأرسل دورية لصد كل من تخول له نفسه احتلال الشقة. بيد ان الضابط أبلغني أنه لا يستطيع أن يؤمن حماية دائمة لأملاكي وأمن لي اتصالا مع شركة حماية خاصة». بيد أن المشاكل الإنسانية لا تقتصر على تامين المأوى.
فقد عبر ممثل صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة «يونيسيف» في لبنان روبرتو لورنتي عن قلقه تجاه التناقص السريع والخطير لكميات الأدوية والغذاء المتوفرة. ويقول بسام شويات، وهو مسؤول عن احد مراكز الإسعاف في بيروت، إن «اللاجئين يفتقرون حتى إلى المستلزمات الأساسية، هناك نقص في الفرش، والإسعافات الأولية، وكل شيء».
