يحتفل العمانيون في مثل هذا اليوم من كل عام بمناسبة 23 يوليو ذكرى قيام النهضة العمانية بتولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في عام 1970 لتنطلق مسيرة التنمية والبناء للدولة العصرية التي كانت كما أراد لها في مختلف الجوانب.

وقد شهد التاريخ العماني في الثالث والعشرين من يوليو عام 1970التحول الى مرحلة جديدة نقلها فكر السلطان قابوس نحو بناء عمان الدولة والوطن والمجتمع وفق رؤية واضحة وأهداف وأولويات حدد مساراتها جلالته منذ البداية واستطاع أن يجد بجانبه سواعد وطنية تترجم فكر بناء الدولة الحديثة بما يعوض مرارة السنين العجاف الماضية. فما أن أطلق خطابه في العام 1970 مناديا العمانيين الي التلاحم والتعاون لدفع المسيرة نحو التقدم والتطور بكلماته المحملة بكثير من المعاني وشحذ الهمم »الامم لا تبنى الا بسواعد أهلها« وقوله أيضا »انه بدون التعاون بين الحكومة والشعب لن نستطيع أن نبني بلادنا بالسرعة الضرورية للخروج من التخلف الذي عانت منه هذه المدة الطويلة, ان الحكومة والشعب كالجسد الواحد اذا لم يقم عضو منه بواجبه اختلت بقية الاجزاء في ذلك الجسد«، فهنا دعا جلالة السلطان الى أن تكون العلاقة بين الحكومة والمواطنين علاقة تعاون ومشاركة ومسؤولية مشتركة يحمل فيها المواطن الدور الفاعل في التنمية الوطنية لتحقيق الهدف المنشود.

وعندما تولى جلالة السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في عمان لم تكن البداية أمامه سهلة بل كانت بداية من الصفر يواجهها كثير من التحديات الداخلية والاوضاع الاقليمية والدولية المؤثرة ولكن بالعزيمة والاصرار والتعاون تحقق الامل وبلغ المراد واستطاع قابوس خلال 36 عاما أن يصل بالمسيرة العمانية الى مصاف الدول المتقدمة، وان يكسب علاقات الجوار والاخوة والصداقة مع جميع دول العالم بفضل السياسة الخارجية لحكمه وحنكته التي شكلت انموذجا سيما مع الدول التي تتقاسم معها السلطنة الحدود. وقد اصبح الجميع ممن يعيش على ارض عمان أو يطأها زائرا يستشعر تلك التحولات التاريخية التي شهدتها السلطنة خلال تلك المسيرة, حيث التطور العمراني والحضاري في كل المجالات والاصعدة وفي كل المناطق الجبلية والريفية والساحلية التي حظيت بخدمات وبنى اساسية بقيت محرومة منها لسنوات طويلة في ظل الحكم السابق لعمان.

وحينما قال السلطان قابوس للعمانيين مع توليه الحكم »سوف نعمل جادين على تثبيت حكم ديمقراطي عادل في بلادنا في اطار واقعنا العماني العربي وحسب تقاليد وعادات مجتمعنا, جاعلين نصب أعيننا تعاليم الاسلام الذي ينير لنا السبيل دائما«، صدق بما قال وأوفى بما وعد وأصبح ذلك واقعا ملموسا نذكر منه مثلا لا حصرا المشاركة الشعبية في انتخابات مجلس الشورى ومشاركة المرأة العمانية في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أهمها مشاركتها في مجلس الشورى ترشحا وانتخابا، حيث أدلت المرأة بصوتها في صناديق الاقتراع ووصلت الى مقاعد البرلمان في مجلس عمان (مجلسي الشورى والدولة), فقد نالت المرأة مقعدين بالانتخاب في عضوية مجلس الشورى ونالت 9 مقاعد بالتعيين في مجلس الدولة وهو ما اعتبرته فخرا لها ونيلا لحقوقها بجانب الرجل، إضافة الى ذلك مشاركتها في الحكومة, حيث تشغل المرأة العمانية اليوم أربع مناصب وزارية الى جانب المناصب القيادية الاخرى وتمثل بلدها كسفيرة في الخارج وهي أيضا عضوة في المجلس البلدي ومجالس رجال الاعمال وغرفة التجارة والصناعة والهيئات العلمية والاكاديمية والصحية.

وهنا يتضح أن التجربة الديمقراطية في السلطنة أثبتت نجاحها وجاءت كما أراد لها السلطان قابوس حينما قال »لقد أردنا منذ البداية أن تكون لعمان تجربتها الخاصة في ميدان العمل الديمقراطي ومشاركة المواطنين في صنع القرارات الوطنية وهي تجربة يتم بناؤها لبنة لبنة على أسس ثابتة من واقع الحياة العمانية ومعطيات العصر الذي نعيشه«.

ولعل ذلك يتجسد في الجولات السنوية التي يقوم بها السلطان قابوس في مختلف المناطق والولايات بدأها في سبعينيات القرن الماضي كصيغة عمانية فريدة ووسيلة مثلى للتواصل والالتقاء بين الحاكم والشعب على بساط الوفاء والصفاء

في وقت يكون فيه المواطن العماني بحاجة إلى أن يشكي همومه ويطرح قضاياه المختلفة الى السلطان الذي من خلال هذا اللقاء يستطلع أمور وهواجس مواطنيه ويستمع إليهم عن قرب في برلمان عماني مفتوح يجمعهم على بساط الخير والمحبة وعلى ارض براري السيوح التي تحتضن المخيم السلطاني، ودوما ما تأتي نتائج هذه الجولات بثمار طيبة تتمثل في اقامة مشروعات أجتماعية وتطويرية يكون المواطن بحاجة ماسة اليها.

وعلى صعيد التطور الديمقراطي أيضا ما نجده في البناء الحقيقي لدولة المؤسسات والقوانين وترسيخ مبدأ العدل والمساواة الذي يجسده استقلال السلطة القضائية بما يضمن حق المواطن أمام القضاء. ولعل انشاء المجلس الاعلى للقضاء والمحكمة العليا ومحكمة أمن الدولة ومحكمة القضاء الاداري خير دليل على ذلك.

ولا تقف مسيرة التطوير التي تشهدها القوانين العمانية والتحديث فيها بما يساير ذلك ويستكمل الخطوات التشريعية اللازمة لتحقيق المزيد من الانجازات التي تشهدها السلطنة وكان آخرها تعديل قانون العمل الذي أعطى الحق للعمال ان يشكلوا في ما بينهم نقابات عمالية وأن تشكل هذه النقابات اتحاداً عاماً,

ويكون لذلك الاتحاد والنقابات الشخصية الاعتبارية المستقلة وهو ما أظهر قبولا شعبيا واسعا بين أوساط المجتمع العماني, كما تتجه عمان الى اصدار قوانين أخرى منها على سبيل المثال قانون مساءلة الاحداث الذي يراجعه مجلس الشورى الآن وهو ما يعتبر مهما في تكامل القوانين العمانية.

وعلى مدى السنوات الماضية استطاع الاقتصاد العماني أن يحقق نقلة نوعية وفرت له القدرة على النمو الذاتي وتنويع مصادر الدخل القومي والاندماج في الاقتصاد العالمي، وبما يمكنه من التفاعل الايجابي مع مختلف التطورات الاقليمية والدولية،

وشهدت الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني 2020 مرحلة اكثر تطورا من خلال توسيع قاعدة مشروعات الصناعات التحويلية المتوسطة والثقيلة وعبر الاعتماد بشكل اكبر على موارد الطاقة الوطنية خاصة الغاز الطبيعي المسال والموانئ التجارية والصناعة والسياحة والمناطق الحرة,

وتمكنت عمان في ذلك من تحقيق النجاح في سياسة التنويع للدخل القومي وتخفيف الاعتماد على النفط كمورد رئيسي وخفض نسبة الاعتماد على مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي. العمانيون اليوم في ذكرى 23يوليو وهم يتذكرون ماضي عمان قبل السبعين يثنون جميعهم على سلطانهم بالشكر والعرفان ويجددون له الولاء نحو تكملة المسير في بناء دولتهم.

مسقط - علي البادي: