لا أحد في سوريا يريد أن يتذكر تلك التظاهرات التي انطلقت قبل أكثر من عام في بيروت ابتهاجاً بخروج القوات السورية من لبنان، وما تبعها من شعور هنا بالجحود ونكران الجميل، فالعدوان الذي يتعرض له هذا البلد العربي أنسى السوريين عتبهم وحولهم إلى ما يشبه فريق إنقاذ ونجدة لعشرات الآلاف من النازحين اللبنانيين الفارين من هول الحرب العدوانية التي أعادتهم ربع قرن إلى الوراء، فالحرب على لبنان ساهم في عودة التواصل بين اللبنانيين والسوريين بعد عداء دام سنوات.
ففي دمشق وباقي المحافظات الملاصقة للبنان، انتشرت الأعلام اللبنانية وأعلام حزب الله على السيارات السورية، وانتشرت صور الرئيس بشار الأسد وحسن نصرالله في كافة الأماكن العامة وكأنها تريد أن تؤكد على وحدة المصير بين اللبنانيين والسوريين. وللمرة الأولى ربما، تتظافر الجهود الرسمية مع الجهود الشعبية منذ العدوان الأميركي على العراق قبل نحو أربع سنوات، في تقديم الدعم المادي والمعنوي وتسيير المظاهرات وتبني خطاب موحد أوحى بأن أجواء الحرب التي تعيشها لبنان لا تقل تأثيراتها على دمشق التي تترقب نتائج المعركة بوصفها طرفا معني بتلك النتائج.
وكان لافتاً للأنظار أن يشير بعض خطباء المساجد في دمشق أمس إلى الهيئة الشعبية لتحرير الجولان التي أعلن عنها أخيراً، بوصفها النموذج المقاوم الذي سيقتدي بحزب الله لتحرير الأراضي السورية المحتلة في الجولان. ويبدو أن هذه الهيئة الوليدة ستكون القطب الثالث في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي إضافة إلى غزة المقاومة الفلسطينية واللبنانية، كما يتحدث أكثر من مصدر في العاصمة دمشق. وللمرة الأولى تخصص تبرعات المساجد بكاملها لصالح دعم الشعب اللبناني، بعد أن كانت تذهب لبناء المساجد والمبرات والجمعيات الخيرية.
وحسب مصادر سورية، فإن عدد اللبنانيين الذين عبروا الحدود باتجاه سوريا منذ بدء العدوان الإسرائيلي تجاوز الـ 150 ألفا، خصصت الحكومة السورية والمنظمات الأهلية مراكز لاستقبالهم وتوفير جميع الخدمات الممكنة لهم، من الفحوص الطبية إلى تأمين مواصلات النقل لمن يريد، في حين وتتحدث المصادر عن فتح شبه كامل للحدود بين سوريا ولبنان، واستقبال أي لبناني قادم دون أدنى تدقيق، بما في ذلك السيارات، ومن أجل هذا تجد أن شوارع دمشق وساحاتها باتت تعج بسيارات اللبنانيين بعد أن تضاءلت خلال العام الأخير بشكل شبه معدوم.
وقامت الجمعيات الخيرية السورية بالجهد الأكبر على هذا الصعيد، فقد فتحت مدارس ودور أيتام ومبرات خيرية وأديرة لاستقبال النازحين اللبنانيين، وتسابق فاعلو الخير لتمويل إقامة هؤلاء بالتبرعات العينية حيناً وبالنقدية حيناً آخر. ويتزامن هذا مع تشكيل الحكومة السورية خلية أزمة ضمت عدداً من الوزراء لمتابعة أدق التفاصيل وحل أي أزمة يمكن أن تنشأ على أي معبر من المعابر الحدودية الأربعة التي تصل ثلاث محافظات سورية مع لبنان، إضافة إلى إرسال سيارات الإغاثة الطبية بشكل يومي وعلى مدار الساعة إلى المناطق اللبنانية والتي تعرض بعضها للقصف الإسرائيلي.
ورغم أن أسعار بعض المواد الغذائية ارتفع، إلا أن الحكومة السورية استطاعت، حتى الآن، أن تحافظ على استقرار السوق وأسعار صرف العملات الصعبة التي كانت تشهد في مثل هذه الظروف ارتفاعات غير منطقية تؤثر على الاستقرار الاقتصادي في البلاد.
دمشق - تيسير أحمد
