إلى جانب الدمار والقتل والرعب والجمود الاقتصادي والتخبط السياسي، الذي تتسبب به الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان منذ الاربعاء الماضي، تبدى وجه آخر من تداعيات المآساة التي يعيشها لبنان واللبنانيون، فلا يملك الآهلون في تلك المناطق وفي العاصمة بيروت سوى مغادرة بيوتهم وأرزاقهم طلباً للنجاة بحياتهم وبحياة أطفالهم إلى أماكن تعتبر أكثر أمناً وأماناً مشكلين دياسبورا جديدة (الشتات وتفرق الجمع في اصقاع متفرقة)، لكنهم في المقابل يعانون الويل نتيجة تردي حالته المعيشية بما يهدد بكارثة انسانية.

أمام هذه الحالة، كان لابد من خطط عاجلة لإيواء المهاجرين، الذين جاؤوا من الضاحية الجنوبية وحتى من الجنوب، من اقصاه، من قرى تحاذي الحدود مع شمال فلسطين. وعلى هذا الأساس أمر وزير التربية خالد قباني بفتح المدارس التابعة لوزارته لإيواء هؤلاء الناس، الذين استعادوا، مشهد الحروب الإسرائيلية السابقة منذ عناقيد الغضب في العام 1996، الذي شهد مجزرة قانا، المشهورة بدمويتها، وصولاً إلى اعتداءات يطول تعدادها.

ومواكبة لذلك، دعا البطريرك الماروني نصرالله صفير إلى فتح المدارس المسيحية أبوابها أمام المهجرين، وأوعز لجمعية كاريتاس الخيرية المسيحية لتقديم المساعدات لهؤلاء المهجرين، الذين بلغ عددهم، بحسب رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، نصف مليون شخص، في بادرة تعاطف وطنية تتجاوز الطائفية والمناطقية... وحتى تتجاوز الاختلافات السياسية التي تبحث في جنس الملائكة.

ومن بين المدارس التي فتحت أبوابها للنازحين، مدرسة كرم الزيتون، الواقعة في منطقة الأشرفية في ضاحية بيروت الشرقية، ذات الغالبية المسيحية، حيث تدفق إليها نحو 360 شخصاً، وهو رقم قابل للارتفاع مع استمرار العدوان الإسرائيلي وقصف الطائرات المعادية، الذي لا يوفر طفلاً ولا عجوزاً. إدي صالحاني من مصلحة الصحة في بلدية بيروت، صادفناه في مدرسة في منطقة الاشرفية في ضاحية بيروت الشرقية، ذات الغالبية المسيحية، وهو مكلف من قبل البلدية لإدخال الحالات الصحية الطارئة من المهجرين الذين لجأوا إلى مدارس العاصمة، إلى المستشفيات، وذلك بأمر من المحافظ.

وأشار صالحاني إلى أنه حتى الساعة التي التقيناه فيها تم إدخال ثلاث حالات طارئة إلى مستشفى الكرنتينا، وعدد من جرحى الاعتداءات الإسرائيلية إلى مستشفى الجعيتاوي، الكائنين في العاصمة بيروت، لافتاً إلى أن الحالات الطارئة كانت عبارة عن حالة مرض في القلب وحالة ولادة قيصرية وحالة إغماء.

مي فرح، مديرة المدرسة، قالت انهم فتحوا المدرسة أمام المهجرين منذ السبت الماضي وذلك بأمر من وزير الداخلية، كما اتصلت بهم مديرة الأمن الداخلي بهذا الصدد. وأشارت إلى مساع لتأمين المستلزمات الضرورية للمهجرين، لكنها تحدثت عن نقص أدى إلى عدم حصول نحو 20 عائلة على الحد الأدنى من الامور التي تحتاجها مثل الأدوية والحليب والماء.

ونظراً إلى وجود المدرسة في محيط مسيحي، أكدت على وجود حالة من التآزر من قبل السكان الموجودين في الحي، والذين يقومون بتأمين بعض الامور التي يحتاجها الناس لجأوا إلى المدرسة، معتبرة ان هذا الأمر طبيعي.مارك ضو من جمعية سمير قصير قال ان الجمعية تحاول تنظيم الأمور في المدرسة بالنسبة للمهجرين، من ناحية توزيع الغرف والحاجيات الأساسية والمؤن والأدوية إضافة إلى التنظيف وأغطية.

وأضاف أن ثمة نقصاً في الأغطية والأدوية الخاصة بالأطفال الرَضع وأدوات التنظيف. وعن مصدر الامدادات، التي كان موجودا بعض منها في باحة المدرسة بالقرب من طاولة يتم عليها تسجيل أسماء المهرجين والامدادات التي يحتاجونها، قال ضو إن الهيئة العليا للإغاثة ووزارة الشؤون الاجتماعية وبعض الجمعيات والأهالي المحيطين بالمدرسة، معرباً عن الاستعداد لاستلام أي مساعدات من اي نوع من أجل تقديمها إلى الناس المنكوبين.

إبراهيم يونس لجأ الليلة الماضية إلى المدرسة من منطقة الضاحية الجنوبية، التي تتعرض يومياً لقصف جوي معادٍ مركز، مشيراً إلى انه برفقة عدد من العائلات ضمت 53 شخصاً، بينهم سبعة هم افراد أسرته.فاطمة كانت تقطن في حي السلم في الضاحية الجنوبية ايضاً، وقالت انها هربت مع أطفالها خوفاً من القصف الإسرائيلي، وكالت اللعنات على اليهود الإسرائيليين، مؤكدة أنها مع المقاومة التي دعت لها بالنصر.

المهجر موسى علوية لجأ إلى هنا من بلدة مارون الراس القريبة من الحدود مع فلسطين المحتلة، روى لنا كيف أنه وصل هو وعائلته ليل امس، بعدما سلكوا طرقاً التفافية، تجنباً من المرور على الطرقات التي تهدمت جسورها، وتطلب وصولهم اكثر من 12 ساعة وسط خطر التعرض للقصف.بدورها زينب رشيد جاءت من بلدة محاذية للشريط الحدودي تدعى مجدل زون، وهربت من عائلتها من البلدة بعد تعرضها للقصف المعادي، وقالت انهم اضطروا لسلوك طرق بين البساتين بسبب تعذر سلوك الطرق المعهودة التي لم تعد صالحة لسير السيارات جراء الاعتداءات الإسرائيلية.

زينب لجأت في بادئ الامر إلى منطقة حي السلم في الضاحية، ولكنها غادرته بعدما شعرت انها وعائلتها ليسوا في أمان أكثر مما كانوا عليه في الجنوب، لذلك قرروا أن يأتوا إلى هذه المدرسة.وأضافت أنهم حاولوا منذ اليوم الاول للعمليات العسكرية الإسرائيلية، التي بدأت فجر الاربعاء الماضي، فتح مدرسة لاستقبال المهجرين لكنهم لم يفلحو إلى أن تدخلت القوى الامنية التي قدمت لهم المساعدة، وهم يعملون حالياً في 4 مدارس في منطقة الأشرفية، مضيفة أن ثمة شباناً من جمعيات أخرى يقومون بالنشاط نفسه الذي يقومون به هم.

صباح تدير دكاناً مقابلاً للمدرسة قالت ان من واجب أهالي المنطقة أن يستقبلوا المهجرين من الجنوب والضاحية، وان يساعدوهم، «لأننا نحن وهم واحد، وهم يمرون بمرحلة صعبة سبق وأن مررنا بها إبان الحرب، ولا يهين على أن يهانوا». انتقلنا إلى مدرسة الناصرة قريبة من أول مدرسة زرناها، وهناك صادفنا عائلات هربت من قرى وبلدات ومدن جنوبية عديدة ومن الضاحية الجنوبية.

وليد علي من جركة اليسار الديمقراطي أيضاً، الذي يتولى التنسيق في المدرسة القريبة من المدرسة التي زرناها أولاً، عدد بدوره المستلزمات التي يحتاج المهجرون إليها، منتقداً نقص العناية الطبية، التي تقتصر على «الحالات الطارئة»، مشيراً إلى وجود مهجرين يعانون من أمراض ارتفاع ضغط الدم والقلب والمواليد الجدد الذين يحتاجون إلى رعاية صحية وغيرها من الحالات.

وأضاف أنهم يحاولون الاستعاضة عن المساعدة الطبية الرسمية بالاستعانة بأطباء ينتمون إلى حركة اليسار، لكنه شدد على النقص في الفرش، إذ ان غرفاً في المدرسة تضم أكثر من 50 شخصاً في غرفة واحدة ليس فيها سوى فرشتين، وقس على ذلك. وعن الجمعيات الأخرى التي تساهم في جهود الإغاثة، قال ان ثمة تنسيقاً كبيراً بينهم بين جمعية تيار المستقبل وجمعيات أخرى، ورحب بمساهمات الجميع «لأن الناس يحتاجون لمعونات فعلية وليس لاستعراض عضلات».

غادرنا الأشرفية على وقع استهداف الطائرات الإسرائيلية لمرفأ بيروت الذي يبعد مسافة قليلة عن المنطقة، وتوجهنا إلى مدرسة المنارة في منطقة رأس بيروت، التي تستقبل المهجرين منذ أيام عدة.المأساة هي ذاتها، وكذلك السعي إلى ملاذ آمن، فهذا محمد سعيد قاسم من البازروية- وهي بلدة الامين لحزب الله حسن نصرالله، كان يقوم بزيارة مع عائلته إلى بيروت، ثم بدأت الهجمة الإسرائيلية الهمجية، فبقوا فيها، تاركين وراءهم بقية عائلته التي من اقاربه هناك لأن البلدة تتعرض للقصف والأنباء تتحدث عن سقوط شهداء «لا نعلم إذا كان بينهم من نعرفهم».

بيروت - سهيل شهاب