عندما تدفع إدارة الفندق الذي تقضي به عطلتك بورقة من تحت باب الغرفة بتعليمات عن أماكن الاحتماء من القنابل، تدرك حينها أن إجازتك قد أخذت منعطفاً سيئاً.
بسعادة وابتهاج غير مدركين لما تخبئه الأيام وصلت أنا وزوجتي إلى بيروت مدينتنا المفضلة في الشرق الأوسط مباشرة بعد أن أسر حزب الله جنديين إسرائيليين. وبدلاً من سهرات الليل الصاخبة والطعام الرائع اللذين توقعناهما في مدينة استعادت تألقها بعد سنوات من الحرب، نجلس الآن أسرى عرض لقوة النيران الإسرائيلية.
فخلال ساعات من وصولنا دمرت القنابل الإسرائيلية مدارج مطار بيروت الذي يمكن مشاهدته بسهولة من شرفة فندقنا المطل على ساحل البحر المتوسط، وبعدها بقليل بدأت إسرائيل في قصف معاقل حزب الله في الضاحية الجنوبية.
ومن الصعب أن تكون التجربة أكثر غرابة. فخلال الحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 و1990 كان المراسلون الأجانب، وكنت واحداً منهم يتعجبون عادة من قدرة فنادق بيروت على تقديم خدمات كي الملابس والنبيذ الفاخر حتى في ذروة القتال.
والآن، ها نحن نجلس في شرفة فندقنا نستمع إلى عزف على البيانو بينما تسقط الصواريخ على منطقة سكنية نطل عليها.
وتفتقر بيروت بصورة كبيرة لأي حماية من سلاح الجو الإسرائيلي. وكانت أصوات انفجارات صغيرة قليلة لنيران مضادة للطائرات كافية لتغطي على صوت المغنية التي تتلعثم في أداء أغنية »تخيل« لجون لينون. أما العاملون المتأنقون الذين يمثلون المستوى الذي حاولت صناعة السياحة اللبنانية الحفاظ عليه في الأيام السوداء للحرب الأهلية، فلم يكد يطرف لهم جفن بينما تدوي صافرات سيارات الإسعاف في الشارع.
قبل القصف كانت الفنادق تعج بسياح الخليج والمغتربين اللبنانيين العائدين لقضاء العطلات وكان من المفترض أن يكون ذلك أفضل عطلاتهم الصيفية منذ سنوات، إذ بدأت بيروت تثبت أنها استعادت مجدها أخيراً كأفضل مقصد للترفيه في الشرق الأوسط.
وكحال معظم اللبنانيين يشعر العاملون في الفندق بالانهيار فقد ضاع الحلم ثانية في غمرة صور القتلى والجرحى والمباني والجسور المحطمة وآلاف الأشخاص الذين يأوون إلى المدارس والمتنزهات طلباً للحماية.
وفي الوقت الذي قررنا فيه الرحيل بعد ثلاثة أيام من تفجر القتال كان الفندق مهجوراً تقريباً. فالسفارات الخليجية سارعت إلى إجلاء رعاياها عبر سوريا خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى من القتال. أما بريطانيا والولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى فما زالت تجلي رعاياها.
وتبعد دمشق عن بيروت بمسافة ساعتين بسيارة الأجرة في رحلة تتكلف 100 دولار. ويوم السبت ابلغنا بواب الفندق انه تمكن من العثور على سائق واحد فقط على استعداد للمخاطرة للقيام بالرحلة مقابل ألف دولار. وتمكنا من العثور على سائق كنا نعرفه خلال رحلاتنا السابقة إلى بيروت وانطلقنا في الشوارع المهجورة.
وازدحمت حركة المرور في الجبال على بعد نحو الساعة من العاصمة حيث فر الكثير من الأثرياء اللبنانيين. وفجأة أسرع شرطي يركب دراجة نارية ناحيتنا ولوح لنا باهتياج كي ندلف إلى طريق جانبي.
كانت مقاتلة إسرائيلية قد قصفت لتوها الطريق السريع الذي كنا نسافر عليه. وكانت الطائرات لا تزال تحوم بنشاط في المنطقة. وكانت الدقائق الخمس التالية لاهثة حيث انطلق سائق السيارة الأجرة بسرعة جنونية عبر طرق جانبية وهو يراقب السماء بعصبية.
وعندما عدنا مرة أخرى للطريق السريع كان الحطام الذي خلفته الضربة الصاروخية على بعد أمتار من الطريق. ولكن بالنسبة لنا كسياح على الأقل كانت الحدود في مرمى البصر.
بيروت - بول هيوز (رويترز):