بلغ الحصار المعيشي في لبنان ذروته بعد أن بدأت تنفد في اليوم السابع للعدوان المواد الأولية الأساسية من المناطق المحاصرة بالنيران.. في وقت بات هناك نحو 100 ألف نازح يفترشون الحدائق العامة في العاصمة بيروت واستوطنوا مدارس العاصمة والشوف والشمال، مع تزايد حركة النزوح من الجنوب نحو الشمال.
فالقرى الواقعة في جنوب لبنان وضاحية بيروت أصبحت جميعها في حالة عزلة تامة تقريبا عن محيطها بعد التدمير الممنهج لما تبقى من طرقات وجسور واستهداف محطات الغاز والمحروقات، وما يزيد من المخاوف هو أن كل المؤشرات العسكرية والأمنية تدل على أن حرب القتل والتدمير الإسرائيلية ستستمر وتتصاعد.
فالخبز والأرز والطحين والأدوية، وحليب الأطفال بشكل خاص، مواد أساسية فقدت في المناطق المحاصرة وارتفعت أسعارها في العاصمة وغيرها من المدن القليلة التي لا تزال خارج مرمى النيران، فيما خلت المخابز والأفران من اليد العاملة بسبب عودة آلاف العمال السوريين الذين يشغلون هذا القطاع الحيوي إلى بلدهم إما خوفا أو استدعاء رسميا من قبل حكومتهم بغية تجنيدهم الطارئ لضرورات المعركة المحتملة،
وقد وجهت المستشفيات في الجنوب نداءات استغاثة عاجلة لتزويدها بمادة المازوت لتشغيل المولدات لدواعي الإنارة والتبريد وغرف العمليات، كما أطلق أهالي القرى الواقعة في أقضية صور والنبطية وبنت جبيل نداءات مماثلة لتأمين الخبز والحليب والحفاضات للأطفال وأدوية الضغط والقلب والسكري للمسنين والكبار.
المواطنون المحاصرون في المناطق المذكورة استنفدوا قوتهم وقوتهم بعد أيام متواصلة من الاعتداءات الوحشية، ويقول علي بدوي، الذي لا يزال محاصرا في بلدته دير قانون جنوبي مدينة صور، إن سكان الجنوب يعيشون أوضاعا قاسية لم تعد تحتمل «فالطائرات فوق رؤوسنا ليل نهار والقصف يستهدف بيوتنا وأهلنا والمناطق كلها تغرق في ظلام دامس»
منذ نحو أسبوع في وقت لم يعد فيه رغيف الخبز متوفرا والناس استهلكوا كل ما لديهم من المؤن في الخزائن بعد تعذر الوصول إلى متاجر صور وقد فسد كل ما لدينا في الثلاجات نتيجة انقطاع الكهرباء وشدة الحر ما يعني أننا أمام أزمة غذاء حقيقية ستكون بمثابة حرب إضافية علينا في الأيام المقبلة.
100 ألف نازح افترشوا الحدائق العامة في العاصمة بيروت واستوطنوا مدارس العاصمة والشوف والشمال، وحركة النزوح نحو الداخل ازدادت والقرى تمددت نحو خارجها فبلغ عدد القادمين من قرى صور إلى عشرة آلاف غصت بهم المدينة وعجزت بكل هيئاتها الأهلية وطاقمها البلدي عن توفير احتياجاتهم.
وأوضح الناشط الاجتماعي في صور غزوان حلواني أن الأمراض تفشت بين الأطفال الذين أصيبوا بإسهال حاد وارتفاع في الحرارة فيما الأدوية شبه معدومة لأن الصيدليات مقفلة والصليب الأحمر يعمل فوق طاقته ،وكذلك طالت الأمراض الكبار نتيجة غياب الشروط الصحية وعدم الاغتسال وغياب الحمامات، و قال احد المسؤولين: «لقد عمدنا إلى فتح بعض المنازل غير المأهولة لتسهيل أمور الناس وأحضرنا من بيوتنا فرشا وأغطية وملابس للصغار بشكل خاص، لكننا لم نتمكن من توفير كميات الطعام المطلوبة بعد أن فرغت رفوف المتاجر بسبب الضغط المفاجئ عليها».
وزراء الخدمات لاسيما الصحة والطاقة والاقتصاد يتابعون على مدى الساعة هموم المواطنين المعيشية، وقد أكد وزير الاقتصاد سامي حداد لـ «البيان» أن المواد الأولية كلها متوفرة في لبنان ولمدة طويلة لكن المخاوف تكبر على المخزون الغذائي والدوائي الموجود في مرفأ بيروت حيث صوامع القمح وغيرها، وأوضح أن الوزارة تعمل على إفراغ هذه المخازن تدريجيا ونقل محتوياتها إلى أماكن ومناطق أكثر أمانا وقد تم توزيع كميات كبيرة منها على المراكز التجارية لسد حاجات المواطنين.
وأكد نفس المسؤول أن الوقود متوفر أيضا، لكن الصعوبة تكمن في إيصاله إلى المناطق الخطرة ويرفض أصحاب الصهاريج التوجه إلى الجنوب والضاحية وبعلبك خوفا من استهدافهم بقصف مفاجئ، مشيرا إلى أن المساعي متواصلة لتأمين كل هذه المواد لأهالي الجنوب والمناطق وقد بحثنا مطولا أمس في اجتماع وزاري طارئ بكافة السبل الممكنة.
الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة اللواء يحي رعد أكد لـ «البيان» أن عدد النازحين إلى بيروت ومناطقها وصل إلى مئة ألف مواطن، وقال إن المؤن والأدوية متوفرة للمقيمين خارج مناطق التوتر إلى حد معين، لكن النقص الأساسي يبقى في الحليب للرضع وحفاضات الأطفال ،
وأشار إلى أن شاحنات الجيش اللبناني المحملة بالمؤن من قبل هيئة الإغاثة لا تستطيع العبور إلى القرى الجنوبية ومناطق الضاحية وقد استغرق إيصال 12 طنا من الطحين إلى مدينة صور يومين ومنها إلى رميش والقرى المجاورة يومين آخرين وذلك بعد جهود مضنية مع الصليب الأحمر والمنظمات الدولية.
ولفت إلى أن النقص كبير في الإسفنج لاسيما بعد استهداف المصانع ولم نوفر حتى الساعة متجرا أو مصنعا إلا وقصدناه لتأمين فرش المنامة للنازحين إلى الملاجئ والعاصمة ولا يزال النقص كبيرا. وأوضح الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة أن الهيئة قدمت 14 ألف حصة غذائية تكفي مدة أسبوع ونحاول إرسال 3000 حصة إلى الجنوب،
ونعمل على تأمين مخزون احتياطي من مواد غذائية ومحروقات وغيرها في كل قضاء لجميع السكان بسبب النقص المتوقع في المواد الأساسية بسبب الحصار، وأشار إلى أن الهيئة بدأت بالبحث عن سبل أخرى لإيصال المساعدات كتحميل المؤن على ظهور البغال للعبور بين القرى أو تجنيد عسكريين من الجيش يدخلون سيرا على الأقدام محملين بالأدوية والطحين.
بيروت - ثناء عطوي


