تحمل الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت هذه الأيام كل عناصر مشهد الحرب وأجواء العدوان وتجسد قصة أروع صمود عربي يكسر حماقة قوة الإرهاب الصهيوني بإرادة صلدة عصية على التدجين والخنوع. صحيح أن حركة الناس وسلوكهم والقلق البادي على وجوههم يعكس صعوبة وجدية الحالة التي يعيشونها في قلب بيروت، إلا أن الوضع في الضاحية الجنوبية أكثر إفصاحاً عن هذه الحالة. فبمجرد الالتفاف من منطقة البربير يميناً وسلوك طريق مطار رفيق الحريري الدولي الذي انتزع منه القصف على مدرجاته و أحد مبانيه ووظيفته تتضاءل حركة المرور والمواطنين إلى حد كبير.
معالم الدمار تبدأ عند جسر المطار الذي يعتلي شارعاً يصل منطقة السفارة الكويتية بمنطقة الأشرفية، إذ أن الجسر تعرض لقصف أدى إلى تدميره تماماً من الوسط. وصودف لدى مرورنا من هناك، قيام رافعة ضخمة بالعمل على رفع أنقاضه من أجل تسهيل حركة المرور من تحته.
وفي محيط الجسر، أو ما كان من قبلُ جسراً، كان هناك عدد من السيارات المتضررة من شظايا الصواريخ والحطام، فضلاً عن بعض الأضرار في الأشجار والمبنى القريب من الجسر، وهذا ما اضطررنا إلى سلوك طريق التفافية لمواصلة السير باتجاه منطقة حارة حريك حيث «المربع الأمني» الذي يضم مكاتب مقرات حزب الله ومبنيي تلفزيون المنار الذي دُمر فجر اليوم التالي وإذاعة النور، التابعتين للحزب.
المنطقة كانت شبه خالية، عدا عن بعض عناصر حزب الله الذين كانوا يقفون قبالة مبنى الإذاعة وبعض من سكان الحي.
هناك توقفنا عند دكان ومحال لغيار زيوت السيارات حيث كان يجلس مواطنون ويتحدثون عما يعيشه ويعيشونه في البلد. ويتحدث صاحب الدكان حسين إدريس حسون، الذي لم يكن موجوداٍ في المنطقة عند قصف التلفزيون، عن الخوف الذي تعيشه عائلته جراء القصف إذ لا يوجد مكان آخر يمكن أن يتوجه إلية خارج الضاحية. وهو، أمام هذه الحالة، لا يسعه القول سوى: «لنا الله».
تقدمنا قليلاً، ثمة جسر في محلة بئر العبد، يربط طريق المطار بمنطقة الحدث، لكنه تعرض للقصف جوي في مكانين مختلفين أدى إلى انهيار جزء في أحدهما، وخلف أضراراً بالغة في الأبنية المحيطة وبعشرات السيارات التي كانت مركونة في المكان.
الغارات خلفت فوضى عارمة، والزجاج والحطام كان منتشراً، والخراب في الأبنية كان كبيراً، في حين كان يقوم عمال برفع الأنقاض من أحد المباني المحيطة تبين أنه فرع لأحد المصارف. خرجنا من الضاحية، عائدين إلى قلب العاصمة، وبعدها بنحو ساعة استأنفت الطائرات الإسرائيلية اعتداءاتها وقصفها على المناطق التي تجولنا فيها، والتي كانت ولا تزال الأهداف المفضلة للاعتداءات، وبينها تلفزيون المنار الذي تعرض لقصف مركَز أدى إلى تدميره، ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى وقف بثه.
بيروت ـ سهيل شهاب


