( لا بد من صنعاء وإن طال السفر) مقولة قديمة ربما قدم صنعاء ذاتها، نسمعها كثيرا ونرددها غالبا، لكني لم أكن أتوقع أن تكون صادقة إلى هذا الحد! فرغم أسفار متعددة قطعت خلالها آلاف الكيلومترات وربما عشرات الآلاف، وعبرت من قارة إلى أخرى، ومن المحيط إلى الخليج، بل إلى شط العرب في أقصى المشرق العربي، على طول المساحة الجغرافية بين نواكشوط وبغداد.

رغم تقارب المشاعر والهواجس وعمق الروابط النفسية والوجدانية، إلا إنني كدت أصاب باليأس من زيارة صنعاء واليمن الحبيب عامة، لأن مشاغل العمل ومسارات السفر المحددة سلفا لم تتح لي مثل هذه الفرصة التي لم أتوقع أن تكون سعيدة ومفعمة بمشاعر الحميمية والود الدفين الذي لمسته منذ اللحظة الأولى التي هبطت فيها مطار صنعاء الدولي.

وحتى آخر لحظة انتزعت فيها انتزاعا، وكأن كل الجذور المنغرسة في أعماق تاريخ تشدني للبقاء حيث الأصل والمنبع ومنابت العرب قبل أن يتفرقوا (أيادي سبأ) في مشارق الأرض ومغاربها.

جاءت الدعوة الكريمة من وزارة الإعلام اليمنية إلى - البيان - للمشاركة في احتفالات العيد السادس عشر للوحدة اليمنية، وكرمني رئيس التحرير بأن انتدبني لهذه المهمة.

وما كان لمناسبة أخرى أن تكون أكثر جاذبية وأدعى للغبطة والابتهاج ولا أقرب إلى القلب بالنسبة لي من مناسبة وحدوية كهذه، باعتبارها منجزا حضاريا عربيا يستحق الفخر والاعتزاز من العرب جميعا، وليس من اليمنيين وحدهم، وإن كانوا هم الذين تحملوا الأعباء الجسام وقدموا أغلى التضحيات.

وإذا كانت إعادة توحيد اليمن تأتي زمنيا بعد توحيد معظم أجزاء الجزيرة العربية على يد المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود،ثم قيام دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إلا أن الوحدة اليمنية جاءت في ظروف إقليمية ودولية مغايرة حيث يعاني العرب أشد فترات الانكسار والتشرذم ويواجهون تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة.

ومع ذلك لا أخفي أنني لم أكن متحمسا في البداية لهذه السفرة، بل شعرت بشيء من التردد حيالها، إذ إن الصورة النمطية السائدة عن اليمن الحاضر تضعه في آخر الدول النامية فقرا وتخلفا، فكيف أترك ـ إذا ـ معجزة النمو الاقتصادي والعمراني التي تعيشها دبي خاصة ودولة الإمارات العربية المتحدة عامة، لأذهب إلى بلد ما زال يعيش على نمط القرون الوسطى أو مرحلة ما قبل الثورة الصناعية وعصر التكنولوجيا.

حسب تلك الصورة التي ثبت أنها ظلمت الجميع، وظلمت المتلقين أكثر مما ظلمت اليمنيين، بينما الواقع يثبت زيفها كما يثبت تقصيرنا وسذاجتنا في تصديقها أصلا دون أن نكلف أنفسنا كشف الحقيقة والوصول إليها، بدلا من لاعتماد الببغائي على مصادر أجنبية قد تكون نواياها سليمة أحيانا، لكنها بالتأكيد ليست مهيأة ولا مؤهلة على الدوام بما يكفي لفهم واستيعاب أوضاع المجتمعات العربية والتعبير عنها كما يمكن ويجب أن يفهمها ويعبر عنها العرب أنفسهم.

ومع أن هذا »الظلم الإعلامي« لا يقتصر على اليمن وحده دون غيره من بلدان عربية أخرى لم تنل حظها المنصف من اهتمام الإعلام العربي، إلا أن الدولة اليمنية، كغيرها، مطالبة بدور اكبر لإيصال الصورة الحقيقية إلى العالم الخارجي وتعريفه بما حققته من تطور وإنجازات.

المفاجأة الأولى

كان التردد لا يزال يخامرني وأنا في طريقي إلى المطار بعد أن علمت ان الرحلة ستكون عبر إحدى طائرات الخطوط الجوية اليمنية، وقد كانت آخر رحلاتي الجوية قبل ذلك في »طيران الإمارات« المعروفة عالميا بتميز الخدمات والطائرات.

عند مدخل الطائرة فوجئت بطاقم أنيق يستقبلنا بحفاوة بالغة وانضباط كبير، وبعد ان استقر الركاب في مقاعدهم بدأ المضيفون والمضيفات يتحركون برشاقة جيئة وذهابا ويوزعون ابتساماتهم التي بدت تلقائية وطبيعية وغير متكلفة، وكأنهم ولدوا والبسمة على شفاههم.

ثم إنهم يتكلمون العربية، بل إنهم عرب أيضا وحديثهم ليس مجرد تسجيل صوتي جامد كما هو الحال في معظم شركات الطيران العربية! وكانت تلك بداية التحول من التردد والتوجس إلى التشوق والرغبة في الاستكشاف. فالهوية تتحدد والوجهة تتضح، وما دامت الطائرة عربية وطاقمها عربيا فلا بد ان البلد الذي تنتمي إليه وتتجه نحوه ما زال متمسكا بهويته وانتمائه العربي.

وبالطبع لم تكن هوية اليمن التاريخية محل شك أو مثار جدل، وما كان لي أن أجهل تاريخ اليمن وماضيه العريق وقد تناقله الأجداد بعد الأجداد عبر حقب ممتدة في أعماق الزمن وتعلمناه مرحلة دراسية بعد أخرى، ولكن ما كان غائبا عني، أو بالأحرى ما كنت غائبا عنه، هو حاضر اليمن الراهن والإنسان اليمني المعاصر، وهذا ما فاجأني إلى حد الدهشة والانبهار.

على أرض الواقع

هبطت الطائرة في الساعة التاسعة والنصف ليلا بعد نحو ساعتين ونصف من مغادرة دبي، وكان مدى الرؤية محدودا، خاصة وأن المطر كان قد توقف للتو وما زال رذاذ من بقاياه يداعب أرضية المطار ووجوه القادمين والمستقبلين، لكن حفاوة الاستقبال لم تمنح المطر فرصة الاقتراب منا فاكتفى بالتلويح عبر لمعان المدرجات ومن خلال نوافذ سيارات الضيافة التي أقلتنا إلى داخل العاصمة صنعاء.

ومع محدودية الرؤية ليلا فقد كانت قاعة المطار الفسيحة ومستوى الطريق الحديث الذي سلكناه إلى مقرنا المقرر، كافيين لوضع علامات استفهام كبرى أمام تلك الصورة النمطية التي احتلت إدراكنا وشوهت رؤيتنا لواقع اليمن الحديث وصورته الحقيقية التي بدأت تتكشف شيئا فشيئا.

وفي اليوم التالي حدد لنا موعد مع رئيس الوزراء اليمني، عبد القادر باجمال، في لقاء خصص للإعلاميين العرب القادمين من خارج اليمن لحضور احتفالات الذكرى السادسة عشرة للوحدة اليمنية.

وفي الطريق إلى مقر رئاسة الوزراء حيث مكان اللقاء، سنحت لي الفرصة الأولى لمقابلة صنعاء وجها لوجه وهي تتمطى في أحضان سلسلة جبلية تحيطها من كل الجهات بحنو واضح وحرص بيّن على أن تظل المدينة »فتاة الجبال المدللة« بين ذراعي جبلي نقم وعبيان، كما كانت منذ النشأة الأولى للبشرية بعد الطوفان حين أسسها سام بن النبي نوح عليه السلام.

ولم تكن المسافة طويلة بين الفندق الفخم الذي استضافنا ومبنى رئاسة الوزراء حيث استقبلنا بحفاوة أصبحت مألوفة بالنسبة لنا، رغم أننا لم نمض أكثر من اثنتي عشرة ساعة، إلا أن شباب العلاقات العامة في وزارة الإعلام ورفاقهم من تشريفات الرئاسة جعلونا نكتشف منذ اللحظة الأولى أن الحفاوة والعناية التي لا تترك اي لحظة للصدفة هي من طبائع الشعب والبلد الذي مثلوه أجمل وأكرم تمثيل.

وعندما دخلنا إلى القاعة الفسيحة المخصصة للقاء كان كل شيء قد أعد بعناية وانتظام، دون تكلف أو مبالغة، وجلسنا لدقائق في انتظار وصول رئيس الوزراء الذي دخل علينا دون أن نحس بدخوله إلا بعد أن ابتدأنا بالتحية، وحين وقفنا ترحيبا به لفت نظري أن الإعلاميين الوافدين وقفوا قبل الحاضرين من اليمنيين.

ولم أفهم مغزى ذلك إلا بعدما لاحظت حميمية العلاقات وعفوية التعامل بين رئيس الوزراء والحضور من مسؤولي وموظفي رئاسة الوزراء ووزارة الإعلام، على غير ما هو معتاد في معظم دول العالم الثالث حيث يستقبل أي مسؤول، مهما كانت درجته ممن يقلون عنه درجة أياً كانت مستوياتهم، بكثير من التملق والتزلف اللذين لا يضيفان لقدره شيئا ولا يعبران إلا عن قلة قدر أولئك المتملقين المتزلفين وضحالة تفكيرهم أو نفاقهم!

الشراكة والجوار

شخصية رئيس الوزراء وشخصه معروفان ومألوفان بالنسبة للحضور من الإعلاميين، بحكم تاريخه السياسي الطويل والمواقع الوزارية العديدة التي شغلها، ابتداء من عام 1980 حين كان عضوا في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني إلى أن أصبح رئيسا للوزراء عام 2001.

إضافة إلى كونه الأمين العام لحزب »المؤتمر الشعبي العام« الحاكم. وقد سبق لي أن حضرت ندوة حوارية استضافتها »البيان« قبل شهور قليلة من تعيينه رئيسا للوزراء وشارك فيها إلى جانبه رئيس الوزراء السوداني الاسبق الصادق المهدي.

ومع ذلك فقد فوجئت بمدى الصراحة والوضوح اللذين تحدث بهما عن مسيرة الوحدة وما واجهته في سنواتها الأولى من عراقيل وعقبات افتعلها البعض، ولم يكن حلها ممكنا إلا بالحسم العسكري الذي أعاد قطار الوحدة إلى مساره السليم وأكد تمسك اليمنيين بوحدتهم ورفضهم للعودة إلى واقع التشطير الذي كبلهم طويلا وأعاق حركتهم نحو المستقبل.

وخلال عرضه الشامل للأوضاع المدعم بالحقائق والأرقام، أكد رئيس الوزراء عبد القادر باجمال ان الوحدة اليمنية وإن كانت قد استعيدت زمنيا في 22 مايو 1990 إلا أنها تاريخيا ظلت قائمة ولم تنفصم.

وأوضح ان خزينة الدولة في نهاية »حرب التثبيت« عام 1994، كانت في حالة إفلاس كامل حيث لم يكن الاحتياطي المالي يتجاوز 95 مليون دولار، في حين بلغت نسبة البطالة 33% وحجم التضخم 77% مع تزايد سكاني تجاوز 3.7% سنويا، ونمو اقتصادي سالب بمقدار (-1.4%).

أما اليوم فان نسبة النمو تبلغ 5.2% سنويا ويتوقع ان تصل خلال العام الحالي إلى 6.2%. كما ان الاحتياطي يبلغ 6.4 مليارات دولار، مع انخفاض الدين الخارجي بنسبة 15% وتراجع النمو السكاني إلى حدود 3% سنويا.

وفي الشأن السياسي استعرض باجمال جوانب التجربة اليمنية في الديمقراطية والتعددية الحزبية ومدى الحرية التي يتمتع بها الإعلام، مؤكدا حرص »المؤتمر الشعبي« على الحوار مع كافة الأطراف والقوى السياسية، خاصة في ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية المقررة في سبتمبر المقبل.

لكنه انتقد تعاطي أحزاب المعارضة مع الوضع السياسي بشكل عام ومع الإعداد للانتخابات المقبلة وتشكيل اللجنة العليا للانتخابات بشكل خاص، متهما تلك الأحزاب بمحاولة »ابتزاز« الحكومة والتعامل معها بأسلوب »البورصة«. وقال ان قانون الانتخابات أنجز بالتوافق الكامل مع الأحزاب السياسية، وأن الرقابة الخارجية »مفتوحة بدون أي تحفظ وبشكل مطلق«.

وفي ما يتعلق بالدور الإقليمي لليمن وعلاقته بدول الجوار، وخاصة في شبه الجزيرة العربية، قال رئيس الوزراء اليمني: »في الجزيرة نحن سكان جغرافيا ولا نملك تغيير ذلك، فهذا قدرنا« مضيفا أن »الجيرة وحدها لا تنفع ما لم تلازمها شراكة«. وأكد أن الانخراط في العولمة لا بد ان يسبقه تنسيق وتكامل إقليمي، وإلا فستكون النتيجة تهميش الجميع، مشيرا إلى انه »ليس كثيرا على اليمنيين ان يكونوا جزءا من المنظومة الأمنية والاستراتيجية في المنطقة«.

وأشار في هذا الصدد إلى ان اليمن سيدخل منظمة التجارة العالمية خلال خمس سنوات »بمساعدة مجلس التعاون وآخرين«. وعبر عن قلق اليمن تجاه الأوضاع في الصومال وتأثيرها المباشر عليه أمنيا واستراتيجيا، مؤكدا انشغال اليمن بالوضع الصومالي وسعيه مع مختلف الأطراف الداخلية والخارجية لإعادة الأمن والاستقرار إلى الصومال.

وكان الحوار غنيا بالمعلومات، مفعما بالحيوية والصراحة (بمعناها الحقيقي وليس بمدلولها »الدبلوماسي« الذي قد يعني أحيانا عكس ما يصرح به علنا)!

عبق التاريخ

بعد اللقاء مع رئيس الوزراء وعقب الغداء مباشرة، كنا على موعد آخر لا يقل ثراء وحميمية عن اللقاء الأول، لكنه هذه المرة لقاء مع التاريخ في أبهى صوره وأعمق جذوره، أكثر مما هو إطلالة على الواقع الحاضر وآفاق المستقبل، رغم التناغم الكبير والانسجام الواضح بين الماضي والحاضر من خلال النموذج الفريد للعمارة الصنعانية التي تواكب الحداثة والتطور، دون ان تفرط في هويتها وموروثها التاريخي وشهرتها التي اكتسبتها على مدى القرون والأجيال.

فقد انطلقنا في جولة استغرقت أكثر من خمس ساعات متواصلة في أحياء ومناطق العاصمة اليمنية، بدءا من »صنعاء القديمة« بجامعها الكبير وأبوابها السبعة وسورها الذي ما زال يتحدى عاتيات الزمن، رغم اندثار جزء منه وإلغاء بعض بواباته.

ولا بد هنا من الاعتراف بأن الفضل في هذه الجولة يعود بالدرجة الاولى لذي الفضل أبي خالد فضل النقيب، مستشار السفارة اليمينية في دولة الإمارات، الذي اصطحبنا وقادنا في هذه الجولة وأصر على ان نبدأها فورا قبل أن ننشغل بأي نشاط آخر في إطار البرنامج العام للزيارة.

وكانت المفاجأة الأكبر.. شعور ممزوج من الرهبة والألفة يصعب وصفه أو التنبؤ مسبقا بمدى عمقه وتأثيره النفسي. فأمام عظمة الانجازات التاريخية الماثلة أمامك وقد صمدت قرونا بعد قرون وما زالت تحتفظ برونقها وجاذبيتها، لا تملك إلا أن تنحني إكبارا وإجلالا لقدرات الإنسان العربي اليمني الذي أبدع أسلوباً متكاملاً للحياة استطاع من خلاله ان يتغلب على عوامل الطبيعة من صخور وسيول ويسخرها لخدمته ومتطلبات حياته اليومية، فضلا عن تأمين الحماية اللازمة لها من اللصوص أو الغزاة.

لكن ما يميز هذه المعالم عن غيرها من المواقع الأثرية الأخرى، أن معالم صنعاء التاريخية لم تتحول إلى مجرد مزارات أثرية تكتسي أهميتها من ماضيها البعيد فحسب، وإنما هي »معالم حية« ما زالت تحتفظ بدورها ومكانتها في الحياة اليومية للسكان الذين يعيشون في الغالب على ذات أرضية المنزل الذي سكنه أجدادهم قبل ألفين أو ثلاثة آلاف عام، وإن تغيرت بعض الأسقف أو جددت النوافذ أو أضيف إلى البيت بما يناسب تصميمه وأسلوبه الموروث!

ومن هنا تنبع الألفة التي تغمرك وأنت تتنقل بين البيوت وتتجول في الحارات، تخاطب أهلها وتتبادل معهم التحية محاولا الانفلات، تحت ضغط الوقت المتاح لك، من دعوات الترحيب والاستضافة التي تتجاذبك من أبواب البيوت في كل اتجاه ومن المارة وهم يعبرون »شرايين« تلك الحارات التي تمدها بمعين لا ينضب من الحيوية والنشاط.

وعند مدخل »الجامع الكبير« في صنعاء تنفتح أمامك بوابة أخرى للتاريخ عمرها يمتد أكثر من 1400 عام، حيث يعد هذا المسجد من أقدم المساجد في الإسلام ويعود تاريخه إلى السنة السادسة للهجرة في عهد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم. وفي هذا المسجد بعض الآيات القرآنية والتوقيعات التاريخية المكتوبة بخط »المسند« قبل أن يتطور إلى الخط الكوفي الذي يعتبر من أقدم خطوط الكتابة في العهد الإسلامي.

ومن الجامع الكبير إلى السوق الشعبي في صنعاء القديمة، بكل ما يحويه من مواد غذائية ومنتجات زراعية وصناعات تراثية وأقمشة متنوعة بدءا من »البرود اليمانية« التي كانت حلية الملوك والأمراء في عهود ممتدة من التاريخ القديم والوسيط إلى الألبسة والطرازات الحديثة، أو بين الحارات وعبر »أزقة التاريخ« التي ما زالت تنبض بحياة ساكنيها وبراءة أطفالها.. تجد نفسك في كل خطوة تستنشق عبق التاريخ المعطر بروائح البخور والبهارات المتنوعة ونكهة البن الشهي.

تقليد مبتكر

ضمن المكتسبات العديدة التي حققتها الوحدة لليمن وفي إطار الثقافة الوحدوية التي أثمرتها، استحدث اليمنيون تقليدا مبتكرا بتدوير الاحتفالات السنوية المخلدة لذكرى الوحدة بين المحافظات اليمنية، حيث كانت عام 2005 في محافظة حضرموت وتقرر ان تقام عام 2007 في محافظة »إب«.

أما »عاصمة 2006« فقد كانت مدينة الحديدة ومحافظتها التي ارتدت حلة زاهية تليق بالمناسبة وكانت على مستوى هذا الحدث الوطني والقومي الكبير، من حيث التنظيم وحجم المشاركة الشعبية والإعداد الجيد لاستقبال نحو ثلاثة آلاف من الضيوف والمدعوين وحشود جماهيرية قدرت بنحو خمسين ألفا.

إضافة إلى عشرة آلاف من طلبة المراحل الدراسية المختلفة اشتركوا في الحفل الاستعراضي الغنائي الذي كان ذروة الاحتفالات في يوم الوحدة بعد حفل استقبال وغداء أقامه الرئيس علي عبد الله صالح بحضور رئيسي وأعضاء الحكومة اليمنية والبرلمان والهيئات الدبلوماسية المعتمدة في اليمن، إضافة إلى الضيوف من الإعلاميين والوفود الرسمية من الدول الشقيقة والصديقة.

ومع أن الميدان الذي أعد لهذا الحفل الضخم لم تكتمل سوى المرحلة الأولى من مراحله الثلاث، إلا انه ظهر كالمكتمل وبدا فيه كل هذا الحشد وكأنه سرب من الطيور على صفحة المحيط!

ومن شأن هذا التقليد أن يعزز المكاسب الوحدوية ويرسخ التوزيع المنصف للمشاريع التنموية بين كل المحافظات اليمنية.

ورشة التطوير

بدت البلاد، خلال تجوالنا في مناطق متعددة وعبر البرامج الحية والمسجلة التي كان يبثها التلفزيون اليمني، وكأنها ورشة عمل دائب، بين مشاريع قد اكتملت وأخرى قيد التنفيذ أو في مرحلة التدشين، فضلا عن المشاريع التي تحفل بها خطط التطوير المستقبلية ويجري العمل حثيثا لإنجازها.

فقد استطاع اليمن في ظل دولة الوحدة أن يتخطى التكاسل الذي أورثته رواسب التقسيم والاحتراب الداخلي والمطامع الخارجية وعادة »التقتيت« الوافدة من وراء الحدود، حيث لم يكن اليمنيون يعرفون نبتة »القات« قبل نحو مائتي عام، ولم تكن عادة تناولها شائعة ومنتشرة بين العامة إلا منذ عقدين أو ثلاثة! كما تمكن اليمنيون من تجاوز إهمال أو تغاضي »ذوي القربى« من الدول العربية عن تقديم ما يكفي من دعم معنوي وعون مادي وخبرة بشرية.

وان كان ذلك لا يعني التعميم المطلق على كل الدول العربية، فقد قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة دعما سخيا للتنمية في اليمن منذ منتصف السبعينات ومولت أحد أهم وأكبر المشاريع الحيوية في البلاد لإعادة بناء سد مأرب التاريخي الذي تبناه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان شخصيا عام 1981.

كما ساهمت دول خليجية أخرى في دعم اليمن وخاصة السعودية التي أقامت خلال السنوات الأخيرة عدة مشاريع اقتصادية واستثمارية في اليمن. غير أن ذلك لا يعفي الدول العربية مجتمعة من واجبها تجاه الشعب اليمني بما يتلاءم مع احتياجاته وتطلعاته نحو المستقبل، ونحو أشقائه العرب.

ولعل كل ذلك يفسر، للذين ما زالوا ينظرون إلى اليمن من بعيد وأحيانا عبر نظارات مستعارة، مدى تمسك الغالبية العظمى من اليمنيين ببقاء الرئيس الحالي لفترة رئاسية جديدة.

فالوحدة اليمنية ما زالت في السادسة عشرة من عمرها ولم تبلغ »سن الرشد« الزمني بعد، وهي الآن في ريعان الصبا ناهدة نضرة تخطو بثقة نحو المستقبل، بعد أن كانت أيام التشطير طفلة تائهة شاحبة الملامح شعثاء ممزقة الملابس.

ويحق لذويها أن يحرصوا على صيانتها ورعايتها، وهم وحدهم أصحاب الحق في منح الثقة لمن يختارون، ولا عجب إن أعطوا ثقتهم لمن ضحى في سبيل الوحدة وقاد الحرب من أجلها حتى بلغت في كنفه هذا السن، وأن يمنحوه تفويضا جديدا ليتم مشواره معها حتى يكتمل نموها ويشتد عودها في وجه التحديات الكبيرة والكثيرة التي ما زالت تعترضها، ما دام ذلك في إطار الدستور وبرغبة شعبية واسعة.

الطريق إلى مأرب

كان جو صنعاء، كعادته، مغريا بالاسترخاء والخلود إلى الراحة حيث تلوح الشمس على استحياء خلف نقاب من السحب وهي تداعب الأرض برذاذ خفيف منعش، خاصة بعد أيام من اللقاءات والتجوال بين مناطق العاصمة وضواحيها ورحلة ممتعة إلى الحديدة. لكن الشوق إلى مأرب وزيارة سدها الأسطوري ومشاهدة عرش بلقيس العظيم، كانت أشد إغراء وأكثر جذبا.

والطريق إلى مأرب لم يكن مجرد مسافة تقطعها وكل همك أن تصل إلى مبتغاك، فتنوع التضاريس الطبيعية وتعدد المزارع في جنباتها وكثرة المواقع الأثرية المنتشرة يمينا وشمالا، تجعل السير على هذا الطريق متعة في حد ذاته حيث يتهادى صعودا وهبوطا بين سفوح الجبال وقمم التلال الصخرية، عبر سلسلتي جبال »الغراس« شرقا وجبال »نهم« إلى الغرب على امتداد يقارب نصف الطريق البالغ طوله نحو 170 كم بين صنعاء ومأرب.

وعند مدخل مدينة مأرب لفتت نظري لوحتان، الأولى تشير إلى »مجمع الشيخ زايد السياحي« بينما تشير الثانية إلى »فندق وأجنحة الشارقة«! وعلى الفور اتجهنا إلى »معبد محرم بلقيس (أوام)« أو »معبد الشمس« الذي لم نقترب منه كثيرا نتيجة استمرار التنقيب والحرص على ألا تتعرض القطع أو الأجزاء الصغيرة لتلف غير مقصود. ومنه إلى معبد عرش بلقيس المسمى »برأن« في بعض النقوش الأثرية، والذي بعود تاريخ بنائه إلى القرن الثامن قبل الميلاد.

ويدهشك في هذا العرش العظيم مدى البراعة الهندسية والذوق الفني الرفيع ودقة النظام الذي اتبع في بنائه وتوزيع أجزائه المختلفة، وفقا لدور كل منها ومكانته في المنظومة الدينية المتبعة آنذاك، وما زال شامخا يبدو شبه مكتمل وأساساته راسخة كما كانت منذ إنشائه. ومن عجائبه المثيرة وجود آثار تشبه أرجل الجمل، إلا أنها تبدو لحيوان سداسي الأرجل بدلا من الأرجل الأربعة المعروفة للجمل، ولا يعرف حتى اليوم مصدر هذه الآثار أو نوع الحيوان الذي تعود إليه!

كما أن »هدهد سليمان« الذي ورد ذكره في القران لا تزال بقايا من نسله مقيمة في غرفة جانبية من البناء، كما قيل لنا، دون أن تخاف أو تنزعج من الأعداد الكبيرة للزوار الذين يفدون على مدار العام إلى هذا الصرح التاريخي والديني الكبير.

وكانت الوجهة التالية سد مأرب، الموقع الأكثر شهرة وتأثيرا في تاريخ اليمن وفي التاريخ العربي عموما، إذ كان انهياره بداية هجرات عربية كبرى إلى مناطق أخرى داخل الجزيرة العربية وخارجها.

ومهما كانت دقة الوصف وبلاغته فانه لا يعادل متعة ورهبة المشاهدة على أرض الواقع، حيث تبدو جسارة ومهارة من قاموا بتشييد هذا العمل الضخم الذي ما زالت أجزاء منه قائمة كما كانت قبل 2800 عام.

كما تبدو عظمة القدرة التي حولت معظم أجزائه في لحظات إلى ركام ودمار! وعلى بعد نحو ثلاثة كيلومترات يقع السد الجديد الذي مولت بناءه دولة الإمارات ودشن افتتاحه، عام 1986، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والرئيس اليمني علي عبد الله صالح، ليكون رافدا من أهم روافد التنمية الحديثة في اليمن ونموذجا سخيا للتضامن العربي والتكافل بين الأشقاء.

الجمال المصون

ليس غريبا على »أرض الجنتين« والبلاد السعيدة، بتنوعها الجغرافي ومناخها المعتدل عموما، أن تكون غنية بروائع الطبيعة والجمال البشري الذي ما زال عقيقا نادرا وعسلا مصفى. وكأن بلقيس التي تركت عرشها ومآثرها إرثا خالصا لليمنيين وتراثا إنسانيا خالدا، أبت أن تترك حفيداتها دون أن تودعهن ما اختصها الله به من جمال أخاذ شهد له القرآن الكريم. لكنه جمال مصون، لا يكاد يُرى إلا خلف برقع أو من وراء حجاب، ما يضفي عليه غموضا ساحرا وجاذبية ذات نكهة خاصة.

وإذا كان اليمن تاريخيا ارتبط بالسعادة ووصف بـ»السعيد« و»أرض الجنتين«، فانه اليوم يضم جنات عديدة تسحر الزائر بجمالها أرضا وبشرا، طبيعة وتاريخا، من عدن إلى صعدة ومن حضرموت إلى الحديدة.

أما الجزر اليمنية النائية في البحر الأحمر أو في بحر العرب، فعالم آخر من السحر والجمال.

إنها حقا »أرض بلقيس« كما وصفها شادي اليمن وشاعر العرب الكبير، الراحل عبد الله البردوني:

أطيافـها حول مسرى خاطري زمر من الترانيم تشـدو حولـها زمرُ

...

وحسب شاعرها منها إذا احتجبت وأنـها في مآقي شعـره حلـمٌ

فلا تلم كبـرياها فهـي غانـية عن اللـقا أنه يهــوى ويدّكـرُ

وأنـها في دجاه اللـهو والسـمرُ حسنا، وطبع الحسان الكِبر والخَفَرُ

عبد الله إسحاق