دافع وزير الداخلية اللبناني بالوكالة أحمد فتفت بشدة عن التقرير الثاني للقاضي البلجيكي سيرج برميريتس الذي يقود التحقيق في جريمةاغتيال الحريري، حيث فند كليا ان يكون مخيباً لآمال الأكثرية النيابية، معترفاً بارتكاب القاضي السابق الألماني ديتليف ميليس، أخطاءً، ولكن بالشكل وليس في المضمون.
وأكد في حوار مع «البيان» ان اجهزة الأمن السورية تتحمل جزءا من المسؤولية عن عملية اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري في 14 فبراير من العام الماضي، وذلك بحكم سيطرتها على الساحة اللبنانية في تلك الفترة. تاليا نص الحوار:
* ما هو تعليقك على تقرير قاضي التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري سيرج برميريتس؟
- لقد قلت سابقاً أن تقرير برميريتس مرتبط بالدرجة الاولى بشخصيته، وهي شخصية متحفظة جداً، وتعبّر عن جدية كبيرة واحتراف في العمل.والحقيقة، لقد تفادى برميريتس التعاطي مع المسؤولين اللبنانيين، إلا انه كان مضطراً للقائهم لضرورات عمله، برأيي فان برميريتس ذهب في الاتجاه نفسه الذي ذهب فيه سلفه (ديتليف) ميليس،
ولكن بأسلوب مختلف،والدليل أنه لم يوجه اتهامات جديدة إلى أحد، وليس ثمة خروجاً عن الوقائع الأساسية التي خرج بها ميليس، ولم يطلق سراح أحد كان أوقفه ميليس، فبالتالي، كل هذه الامور تدل أن برميريتس ذاهب في الاتجاه نفسه كما ذكرت.
على أي حال نحن طالبنا بالتحقيق الدولي، وأعطينا ثقتنا للتحقيق الدولي،ونحن ملتزمون بنتائج هذا التحقيق أياً تكن،البعض يعتقد أننا نسعى للانتقام أو التشفي، لا بل على العكس، المهم هو أن نصل إلى الحقيقة لكي تكون حصانة في وجه كل الاغتيالات السياسية المستقبلية، ما نحاول فعله هو حماية الحياة السياسية في لبنان، والتي تراكمت فيها 30 عاماً من الاغتيالات السياسية.
* هل تعتقد أن برميريتس يحاول تجنب ارتكاب أخطاء ربما كان ارتكبها ميليس لجهة الضجيج الذي كان يثيره أو الطريقة الاستفزازية التي كان يطرح بها الأمور؟
-أعتقد أن ميليس ارتكب أخطاء في الشكل وليس في المضمون، إذ ربما انسجم مع الجو السياسي اللبناني.
* الجو السياسي المتهم لسوريا بارتكاب الجريمة؟
-لا ليس بالضرورة، لقد تعاطى ميليس مع كل الجو السياسي...ولكن في المضمون لم أر ما يمكن أن يكون قد أخطأ فيه ميليس..ربما نقطة الخلاف الوحيدة هي أنه قال أن سوريا لم تتعاون معه في التحقيق، في حين قال برميريتس أنها تعاونت، وهي ربما أبدت بداية تعاون فأحب أن يشجعها.
* البعض يعتقد أن تقرير برميريتس جاء مخيباً لآمال الأكثرية النيابية؟
-لا بل على العكس، لقد جاء التقرير متلائماً تماماً مع ما كنت أنتظره في هذه المرحلة، وأعتقد أنه هذا ما عبرت عنهم مراراً.ومن خلال متابعتي لبرميريتس..أعتقد أنني اتفهمه أكثر من سواي، لأنني أتفهم العقلية التي جاء منها لأني عشت 13 سنة في بلجيكا، فهم جماعة محترفون كثيراً ولا يتحدثون عن الأمور إلى أن تنضج تماماً.
لذلك بالنسبة لي لم يكن التقرير مخيباً لآمالي شخصياً.صحيح أن الناس كانت تتمنى لو أن التحقيق ينتهي اليوم قبل الغد، لكي نعرف النتائج، الا ان التحقيقات الكبرى ليست بهذه البساطة فالتحقيقات الكبرى..والعمل في الجرائم الدولية يستغرق سنوات، وهذا ما شهدناه في الكثير من الجرائم المماثلة في كل أنحاء العالم.
* البعض يربط انخفاض سقف تقرير برميريتس بصفقة ما أميركية-إيرانية تشمل سوريا، فماذا تقول؟
- نحن نحب عادة نظرية المؤامرات والصفقات...نحن لا نرى كيف أن تحقيقات في قضايا معينة أدت إلى قلب رؤساء ووزراء، ونحن لا نفهم أن هناك شيئا اسمه قضاء مستقل، ولكن ثمة قضاءً مستقلاً في العالم، حتى ولو لم يكن لدينا نحن قضاء مستقل ولم نعتد على هذا النوع من القضاء، ولكن ان شاءالله نعتاد عليه وسيأتي وقت ويكون لدينا قضاء مستقل، فلدينا قضاة اكفاء، ولكن أنا مطمئن جداً.
أفهم أنه يمكن أن تتم صفقات ضمن العلاقات الدولية، وبالطبع ثمة محادثات من فوق الطاولة أو من تحتها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وهذا أمر طبيعي وأنا أؤيدها لأن القطيعة تؤدي إلى المجابهة، وإن كان ذلك يحدث، فهذا خارج نطاق التحقيق، وخصوصاً أن شخصا مثل برميريتس لا اعتقد أنه سيتأثر بأي نوع من هذه التفاصيل.
* ما الذي يحول دون أن تحقق الأجهزة الامنية في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ما حققته في اكتشاف الشبكة الإسرائيلية التي نفذت اغتيال مسؤول الجهاد الإسلامي في صيدا محمود المجذوب وشقيقه نضال؟
ـ أولاً، دعنا نناقش الأمر الثاني.أعتقد أن ما تحقق هو إنجاز كبير في ما يتعلق بجريمة اغتيال مسؤول الجهاد الإسلامي، ولكن إذا نظرنا إلى الفترة الزمنية التي عملت فيها الشبكة التي قامت بالعملية، وكم شخص قتلت وكم مؤامرة نفذت، يتبين لنا أن الأجهزة الامنية لم تكن بالفعالية التي يجب أن تكون عليها، لنكن صريحين. صحيح أنه تم الكشف عنهم أخيراً، ولكن ثمة تراكماً كبيراً قبل أن يتركوا ثغرة في مكان ما حتى وقعوا.
بصراحة، الأجهزة الأمنية كان همها، في الفترة السابقة الضبط السياسي وليس الأمني، كان همها كيفية تنظيم انتخابات جيدة، كيف يمكنها أن تسيطر على اتحاد بلديات أو على بلدية أو نادٍ أو نقابة، أما اليوم فالأجهزة الامنية بدأت تلعب دورها.ولكن ثمة أمر أهم من ذلك، هو أن هذه الأجهزة ليس لديها، للأسف، لا إمكانات مادية ولا بشرية،
وهي بحاجة إلى دعم.مع ذلك فقد حققت انجازات، والنظرة من الخارج مختلفة.لقد كنت أخيراً في الولايات المتحدة وكانوا هناك معجبين جداً بالإنجازات التي تحققت على أكثر من صعيد، بينها اكتشاف شبكتين لتنظيم القاعدة، كانت إحداها قد بدأت تحضر لزرع قنابل في مراكز الجيش اللبناني، وتم القاء القبض عليها نتيجة تعاون بين قوى الأمن الداخلي والجيش.
أما سبب عدم الكشف عن ملابسات اغتيال الرئيس الحريري فيعود إلى أن الجريمة حدثت في فترة زمنية كان جزء من هذه الأجهزة الأمنية، إما مشاركاً في الجريمة،وإما مشاركاً في التغطية، وأعتقد أننا جميعاً لدينا قناعة بأن التوجيهات التي أعطيت لإخلاء ساحة الجريمة، كان عليها علامة استفهام كبيرة في التغطية على ما حدث، وفي الوقت نفسه، لم تكن الأجهزة لديها الكفاءة المطلوبة، فضلاً عن وجود أجهزة أكبر منها تسيطر على الساحة، وهي التي كانت وراء الجريمة، التي نفذت بحرفية عالية ولم يتم بحث جدي بشأنها.
وفي الفترة التي تلت، ربما لا يعلم قسم كبير من اللبنانيين، ولكن يجب ان يعلموا، والحقيقة أنه نُشر في أكثر من مناسبة، أن قسماً كبيراً من التحقيقات الدولية في الجريمة، وخصوصاً في مجال الهاتفية، هي نتاج عمل قوى الأمن الداخلي، على صعيد مراقبة وتحليل الاتصالات الهاتفية الخلوية المتعلقة بأناس متهمين في الضلوع بعملية الاغتيال، وبالتالي فإن القوى الأمنية فاعلة وتشارك في الجهود.
* سبق وأن اتهمتم، كأكثرية نيابية، شخصيات سورية بالتورط في اغتيال الرئيس الحريري، فهل ما زلتم عند الموقف نفسه؟
أنا مسؤول عن الشيء الذي قلته منذ اليوم الأول بعد اغتيال الحريري وحتى اليوم، فمسؤولية اغتيال الرئيس الحريري متعددة، لقد رفعت الحماية عنه قبيل أسابيع قليلة من اغتياله، يضاف إليها المسؤولية السياسية من خلال الهجوم السياسي الكبير الذي شن عليه لتشويه سمعته وتخوينه في مشروعه السياسي من قبل عدد كبير السياسيين والصحف السورية.
كل هذه الأمور تمت قبل اغتيال الرئيس ومباشرة بعد اغتياله، في ظرف كانت القوى الامنية السورية مسيطرة على لبنان، لذلك نقول أن هذه القوى تتحمل هذا الجانب من المسؤولية.والجانب المتعلق بمن قرر ومن نفذ فهذا متروك للتحقيق الدولي.
* ما هي فرص التوصل إلى اتفاق، من خلال الحوار، بشأن الاستراتيجية الدفاعية التي طرحها أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في ما يتعلق بسلاح المقاومة؟
ـ لا يعتقد أي أحد أنه سيتم التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن في جلسة الحوار المقبلةلأن ثمة وجهات نظر مختلفة جداً حول الاستراتيجية التي يجب أن تتبع بين استمرار عمل المقاومة كما هي اليوم، وهذه وجهة نظر حزب الله، وبين استراتيجية مشابهة تقريباً، تطرحها الأكثرية النيابية،
وهي الاستراتيجية السورية المعمول بها في الجولان، ونحن نقول أن هناك تجربة عربية ناجحة، من حيث المحافظة على سياسة استراتيجية جيدة في وجه إسرائيل، بوجود قوى أمم متحدة جيدة وجيش محترم، وفي الوقت نفسه يمكن أن تحافظ على الاستقلال والسيادة.
* ولكن أين موقع المقاومة في هذه المعادلة؟
ـ موقع المقاومة هو ما يجب أن يتم البحث فيه، وإذا كانت ضمن هذه الاستراتيجية يمكن أن تكون جزءا متعاوناً مع الجيش، أو مندمجا معه.يوجد احتمالات عدة يمكن طرحها، يعني يمكن أن نطرح بدءا من الحالة الحالية إلى الاندماج الكامل (مع الجيش)، ثمة الكثير من الاحتمالات التي يمكن درسها وفق مقتضيات مصلحة لبنان والدفاع عنه.
* يخشى البعض من احتمال الوصول إلى حائط مسدود في هذا المجال في حال عدم التوصل إلى اتفاق، ما الذي يمكن أن يحدث عندهاالفوضى؟
ـ لا لماذا سيحدث فوضى.أولاً، الحوار بحد ذاته دليل على وجود خلاف، فلو لم يكن ثمة خلاف لما كان هناك من داعٍ للحوار، هو أسلوب جيد يجب أن نتابعه لكي نصل تدريجياً إلى أمور معينة، أو على الاقل ننفذ الأمور التي سبق واتفقنا عليها خلال جلسات الحوار...يجب أن نستمر في المحاولة..أنا مع الحوار حتى آخر لحظة. وأعتقد أن اللبنانيين لا يقبلون أن يخرج أحد خارج الحوار، ومن يفعل ذلك سيكون عليه مسؤولية كبيرة في السياسة.
* قيل أيضاً أن مساعي الرئيس نبيه بري من أجل مبادرة عربية، تشمل أيضاً، إلى العلاقة مع سوريا، المساعدة في مسألة الحوار، كيف يمكن ان يساعد طرف عربي في الحوار الداخلي، هل من خلال ضغط دول على أطراف في الحوار؟
- الحوار اتفق على ثلاث نقاط أساسية، موضوع التحقيق(بجريمة اغتيال الحريري) الذي يتطلب جهداً سورياً في التعاون.موضوع السلاح الفلسطيني، خصوصاً خارج المخيمات، وهو ما يتطلب قراراً سورياً، جهداً سورياً وحسب. وموضوع العلاقات الدبلوماسية وتحديد الحدود يتطلب أيضاً قراراً سورياً،
وعندما يقول الرئيس عمر كرامي ان 80 بالمئة من مقررات الحوار موجودة في الشام، هذا صحيح وأنا أوافقه على هذا الكلام، ومن هنا يأتي دور الدول العربية، وحتى دور إيران، لأنني أعتقد أن لها مصالح أيضاً أبعد من مجرد التعاون مع النظام السوري، بمعزل عن كل الشعوب العربية، وهي تنظر إلى دور إيجابي في المنطقة.
* بالعودة إلى الملف الأمني، هل تعتقد أن البلد بات ممسوكاً أمنياً أكثر قليلاً عما كان عليه في السابق؟
ـ تعبيرك صحيح، أي أنه «بات ممسوكاً أمنيا أكثر قليلاً». فالقوى الأمنية لم تشهد أي زيادة الاشهر الست الأخيرة، وكل ما حصلنا عليه مؤخراً هو 100 شاحنة روسية مقدمة من دولة قطر.وحتى الآن لم يصلنا اي تقنيات جديدة. التدريب طبعاً هناك دائماً تدريبات مكثفة يتم إجراؤها.
أعتقد أن البلد بدأ يصبح ممسوكاً أمنياً بشكل تدريجياً والناس بدأت تشعر بأسلوب مختلف في التعاطي مع القوى الأمنية، التي بدأت تحقق انجازات.وعندما أقول القوى الامنية فأنا أشملها جميعها، أي الجيش بالدرجة الأولى، وقوى الامن الداخلي والأمن العام وغيرها.
* سبق وأن قلت أن البعض يحاول أن يرمي فتنة بين قوى الامن الداخلي والجيش، لماذا ؟
ـ نعم، نحن نسمع الكثير من الكلام عن أن قوى الامن الداخلي تعتدي على صلاحيات الجيش، وأن التنيسق غائب بين الطرفين رائع، والدليل ما حصل في 4 يونيو، فالجيش انتشر في بيروت خلال ثلاثة أرباع الساعة(بعد نزول أنصار حزب الله إلى الشوارع ليلاً بعد بث برنامج كوميدي يتهكم على أمينه العام السيد حسن نصرالله على شاشة المحطة اللبنانية للإرسال-أل بي سي. ثمة غرفة عمليات مشتركة فيها ضباط من الدرك ونحن نحاول أن نحول التنسيق إلى مستوى بشكل مؤسساتي أكثر، لذلك نرجو ألا يلجأ أحد إلى الطرق الابتزازية السخيفة.
حاوره: سهيل شهاب
