خيم القلق والخوف على الكثير من العوائل العراقية التي غادرها النوم خشية تعرض ابنائها للخطف والاعتقال من قبل العصابات المنظمة او المسلحين المجهولين، لذلك اضطرت الى ارسال اولادها الى دول الجوار حفاظا على حياتهم. القدر كان بالمرصاد لـ «محمود» ذي الثلاثة عشر ربيعا.. لم يكن منتميا إلى اي حزب او مليشيا، كان طالبا في الصف الثاني من المرحلة المتوسطة يؤدي امتحاناته عندما هاجمت بيته في منتصف الليل قوات ترتدي زي مغاوير الداخلية واقتادته للتحقيق،

غير ان والده أبى الا ان يكون بصحبته بعد ان سمع بكاءه وتوسلاته.. وبعد ايام قلائل جاء صوت الاب عبر الهاتف يخبرالعائلة المكلومة باطلاق سراحه وابنه ، لكن الموت أبى ان يرد الطفل الى احضان أمه، ففي لحظة دخولهما السيارة التي ستحملهما الى المنزل هاجمتهما العصابة المسلحة ذاتها وأمطروهما بوابل من الرصاص فرجع الاب بجثة الولد.

واوضح مواطنون عراقيون: «اضطررنا الى بيع معظم حاجيات المنزل لنهرب أولادنا الى دول الجوار حفاظا على حياتهم التي باتت مهددة في الليل والنهار». وقال فائز راضي الذي يعمل موظفا: «ان مايحدث في البلد من انفلات امني وقتل وخطف يستهدف الاولاد في مدارسهم وجامعاتهم أمر خطير ولابد للحكومة أن تضع حدا لمأساتنا هذه»، مضيفا «لقد بعنا اثاث منازلنا لنخرج اولادنا خارج حدود هذه المحرقة التي اخذت تصيب الاخضر واليابس».

وأفادت نورية كامل (ربة بيت) أنها كانت تعد العدة لزواج ولدها الوحيد لكنها اضطرت لاخراجه من البلاد خوفا على حياته، حتى أنه ترك مقاعد الدراسة وراح يعمل في الغربة، وتابعت «ضغطت على قلبي الذي يؤلمني لفراقه، إلا ان الفراق الذي اشعر به اهون علي من ان يواريه التراب فأندبه طوال عمري».

واشار حارث البدري، مدرس متقاعد، الى «ان الوضع الأمني يزداد سوء واولادنا في خطر.. انهم يقتلون بسبب اسمائهم او انتماءاتهم المذهبية.. ان المسلحين يقتنصون اية فرصة للقتل، ولاندري لماذا؟»، مشيرا الى مسلحين اختطفوا ولده وطالبوه بفدية قدرها خمسون الف دولار اولا ثم خفضوا المبلغ عند التفاوض معهم، مؤكدا انه تم تسليم المبلغ المتفق عليه إلا انه وجد ولده جثة هامدة رغم «تعهد» المسلحون بإعادته حيا.

وقال إنه «بعد هذه الحادثة المريعة نقلت جميع افراد عائلتي الى احدى دول الجوار الا انهم يعانون الان من الوحدة والغربة والقوانين الصارمة التي تفرضها الدول على اقامة العراقيين». وطالب ماجد حسين الحكومة العراقية اتخاذ بعض الاجراءات في مواجهة المعاملة السيئة التي يلقاها العراقيون من السلطات الامنية في بعض دول الجوار العربية

واوضحت سميرة نوري الوكيل أنه «لو كان ابناء ساستنا الجدد موجودين داخل حدود العراق لشعروا بالقلق على المصير الذي ينتظرهم، لكنهم جميعا وبدون استثناء خارج الحدود، ويتمتعون بخيرات العراق». وأفاد كريم خالد وهو طبيب تخرج حديثا: «نحن نعيش في وضع متوتر، جميعنا نفكر بالهرب لأن حياتنا مهددة ،

كنا نطمح بإكمال دراستنا داخل بلدنا الذي احتملنا فيه ما لا يحتمل إلا اننا الآن لانفكر بشئ إلا الهرب والعمل في اية مهنة حتى لو كانت تحط من مقدرتنا العلمية اذا كان هذا العمل سيكفل لي العيش بأمان». وبينت المهندسة سيرين حسين: «نحن نحارب حتى في احلامنا»، مشيرة إلى ما قالت انه خطة مبيتة لتهجير الطاقات والعقول العراقية المبدعة واعادة البلد الى عصور متخلفة.

واوضحت اميمة علي الموظفة في احدى المؤسسات الخدمية الحكومية: «سأؤجر بيتي واهرب الى احدى دول الجوار ليس من باب الخوف على نفسي وانما على اخي الصغير الذي ترك امانة في عنقي فأخي الكبير كان ضابطا في الجيش العراقي السابق واغتيل برصاصة اخترقت رأسه، ولن أبقى في هذا البلد كي أواري الثاني التراب».

بغداد ـ «البيان»