تشهد الساحة السياسية والإعلامية في تشيكيا نقاشا حادا في شأن جدوى اقامة قواعد أميركية مضادة للصواريخ فوق الأراضي التشيكية. وكانت المعلومات أفادت بأن السلطات التشيكية تخوض منذ فترة على ما يبدو محادثات مع الجانب الأميركي بخصوص احتمال تركيز تلك القواعد العسكرية بالقرب من العاصمة براغ، وأنه طُلب منها الرد بشكل نهائي حول هذا الأمر في فترة أقصاها فصل الخريف المقبل.

هذه المعلومات أكدها بشكل رسمي وزير الخارجية التشيكي تسيريل سفوبودا الذي أفاد بأن القاعدة الأميركية تهدف لصد أي عدوان خارجي بالصواريخ قد يستهدف تشيكيا أو غيرها من الدول الحليفة المحيطة، وأن قرارا مثل هذا يجب أن توافق عليه الحكومة الجديدة التي يجري العمل على تشكيلها، بالإضافة للبرلمان الذي تم انتخابه أخيراً.

ويبدو أن القرار السياسي القاضي بالسماح لهذه القواعد بالتمركز فوق الأراضي التشيكية قد تبلور منذ فترة، ولكن الظروف السياسية التي نشأت مؤخرا بسبب الانتخابات البرلمانية واحتمال انتقال السلطة في تشيكيا لأحزاب جديدة لم تكن مساهمة بصنع القرار السياسي في السابق، قد أخّر عملية تبنّي ذلك القرار بشكل نهائي.

فقد تبين من جملة التصريحات التي صدرت عن ميريك توبولانيك رئيس الحزب الفائز في الانتخابات الأخيرة والذي من المتوقع أن يشكل الحكومة الجديدة مواقف عبّرت عن تأييدها الكامل لبناء تلك القواعد، في حين لم تعبّر الأحزاب الأخرى الفاعلة في البلاد عن رفضها لهذه الفكرة بشكل قاطع وإن تميّزت مواقف بعضها بالتردد وعدم الوضوح.

الحزب الوحيد الذي رفض بشكل قاطع فكرة بناء القواعد هو الحزب الشيوعي الذي يعارض من حيث المبدأ أي شكل من أشكال التعاون العسكري مع الولايات المتحدة أو مع حلف الناتو، حيث يصر منذ فترة على تبني البلاد سياسة محايدة خارج إطار الأحلاف العسكرية.

وفي تناسق كامل مع المواقف السياسية التي تفاوتت في تأييدها القاطع أو الضبابي لهذه القواعد الأميركية، فقد برزت أيضا مواقف من نوع آخر لمراقبين سياسيين وإعلاميين كانت بمعظمها ، وليس جميعها ، مؤيدة لفكرة إقامة القواعد العسكرية المذكورة، في حين لم يتردد بعضهم بتحديد ايران كمصدر رئيسي للخطر القادم، باعتبار أن صواريخها أصبحت حسب رأيهم قادرة للوصول إلى براغ أو أي مكان في وسط أوروبا وفق ما أفاد به أحد المحللين السياسيين المؤيدين بشدة للسياسة الأميركية.

ويبدو بأن الحكومة التشيكية ستضطر للتعامل مع هذا الموضوع تحت تأثير الضغوط التي تمارس عليها من قبل الجانب الأميركي والذي يسعى منذ فترة لربط القرار السياسي التشيكي بأمور مرتبطة بتسوية القضايا اللوجستية والمالية، وهو ما أشار إليه أيضا وزير الخارجية التشيكي الذي وصف المشاورات الفنية بين الجانبين بالأمر الضروري والمهم.

الغريب في الأمر أن تصريحات الوزير لم تتناسق بأي شكل من الأشكال مع المواقف الصادرة عن وزارة الدفاع التشيكية، حيث نفى الناطق باسمها مؤخرا أن تكون هناك مشاورات بين براغ وواشنطن بخصوص التاريخ المحدد لإقامة هذه القواعد، ولكنه اعترف من جهة أخرى بوجود خطتين لبناء القواعد المذكورة، احداها مع الولايات المتحدة والاخرى مع حلف الناتو.

ويذكر أن الإدارة الأميركية تسعى منذ فترة لإقامة ما يعرف بالدرع المضاد للصواريخ المعادية في وسط أوروبا، ولكن تنفيذ ذلك تأجل بسبب التغييرات السياسية التي جرت في أكثر من بلد بسبب الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

براغ - حسن عزالدين