تواجه حكومة العراقية هامشا محدودا للمناورة، تحت وطأة ضغط مطالب الشارع العراقي، ورغم وضوح الرؤية لدى رئيس الوزراء نور المالكي إلا إن الثغرات والعوائق التي تلم به، تجعل من استمرار هذه الحكومة أمرا بالغ الصعوبة.

فهناك تحدي الكونفيدرالية، إذا ما تجاوز عقبة حقيبتي الدفاع والداخلية، وإذا وضعنا الاقتصاد جانبا، تبقى مسألة رحيل القوات الأجنبية واستعادة السيادة الكاملة، مرهونة بالقدرة على حفظ الأمن ومنع الفتنة الداخلية المستعرة كالرماد تحت الجمر.

وتضم حكومة الوحدة الوطنية الجديدة في العراق، زعماء منتخبين من كل الاتجاهات الطائفية والعرقية والسياسية تقريبا، لكن عنصرين غائبين ربما يشكلان أفضل مؤشر على أولويات الحكومة الجديدة.

وتفتقد الحكومة إلى القدرة على تعيين وزيرين في المنصبين الأمنيين الرئيسيين، الداخلية والدفاع، وهذا من شأنه تغيير بؤرة تركيز الحكومة بدرجة كبيرة فضلا عن علاقتها مع القوات الأميركية، واختيار وزيري الداخلية والدفاع هذا الأسبوع سيعطي مؤشرات أوضح عما إذا كانت الحكومة نفسها قادرة على التغلب على انقساماتها الداخلية.

وأوضح المالكي في برنامجه السياسي المكون من 34 نقطة، الذي عرضه على البرلمان يوم السبت الماضي أن أولوياته هي تجنب حرب أهلية انزلقت البلاد نحوها بسرعة في ظل فراغ السلطة الذي أعقب الانتخابات التي جرت في ديسمبر الماضي وتحسين الخدمات العامة بمرور الوقت.

من جهته، عقب مسؤول غربي في بغداد عقب منح الثقة لحكومة المالكي (لم تعد هناك أعذار)، مشيرا الى أن الانتخابات المقبلة يحل موعدها بعد اربع سنوات.

وأضاف:يتعين أن يبدأوا في معالجة الأمور وأن يرى الناس نتيجة لذلك ويقول بعض المسؤولين إن المالكي قد يحاول تعطيل مراجعة المجلس النيابي لبعض القضايا الدستورية ومنها مسألة الحكم الذاتي الإقليمي وحدود الكنفدرالية لتجنب التشتيت، لكن المجلس ملزم بمعالجة هذه القضايا هذا العام.

وقال سياسي عراقي بارز أول من أمس «عندما نرى من سيكون وزيرا الداخلية والدفاع سنعرف ما إذا كانت حكومة الوحدة الوطنية هذه ستنجح»، وحقيقة إن «اختيار من سيشغل هذين المنصبين يتطلب كل هذا الوقت مؤشر آخر على أهميتهما الكبيرة للبرنامج برمته».

ويتعين على المالكي أن يختار الوزيرين للداخلية والدفاع، بحرص بالغ، حتى لا تمزق الخلافات حكومته، ودوره الشخصي الذي تعززه مصداقيته كناشط شيعي سري سابق، ومتحمس لاجتثاث البعث، سيكون مهما في إقناع أبناء طائفته بالتخلي عن الميليشيات وتشكيل قوة شرطة موحدة يعتد بها.

ويعرض برنامج المالكي كذلك أولويات اقتصادية، وبخاصة فيما يتعلق بتحسين تزويد المناطق بالكهرباء، ويشير دبلوماسيون الى أن «المالكي قد يعمل على تحويل الكهرباء الى بغداد التي تعرضت لعمليات تخريبية كثيرة لتهدئة المشاعر في المدينة حيث لم تكن هناك شعبية لسياسة أميركية تمثلت في توزيع الكهرباء على مختلف أرجاء البلاد على النقيض مما كان يحدث في العهد السابق.

وإلى جانب وعيده باستخدام القوة القصوى مع المتشددين، لمح المالكي أول من أمس «إلى مد اليد الى من ينبذون العنف»، وقد يكون للإفراج عن بعض المحتجزين من بين نحو 15 ألف سجين في السجون العسكرية الأميركية من الأساليب السريعة لحشد تأييد السنة.

ويقول مسؤولون أميركيون وبريطانيون إنهم يريدون التفاوض على اتفاقيات لتنظيم وجود قواتهم في العراق قبل أن يحل اجل قرار مجلس الأمن الذي يحكم هذا الأمر في نهاية هذا العام.

ويدعو برنامج المالكي الى جدول زمني بالأهداف لتدريب القوات العراقية وتسلمها زمام الأمور من القوات الأجنبية بما يتماشى مع آمال الأميركيين والبريطانيين بالانسحاب من العراق. ويرى العديد من العراقيين أن الوجود الأميركي ساهم في تعميق الانقسامات الطائفية.

ويرى آخرون أن وجود الأميركيين يحول دون تفكك البلاد وانزلاقها لحرب إقليمية قد يستدرج إليها جيرانها من العرب والإيرانيين. وحذر السفير البريطاني وليام باتي من توقع الكثير في وقت قريب.

وقال « ستكون هناك بعض المشكلات المؤلمة... يجب أن يضعوا مصالح الشعب فوق مصالح الأحزاب»، لكن مسؤولا أميركيا في بغداد، قال «إن هذا العام سيحدد مستقبل العراق خلال السنوات المقبلة»، وأضاف «الأشهر الستة أو الثمانية المقبلة ستهيئ الوضع لنجاح هذا البلد أو عدمه».