يبدو أن حمى تبادل الاتهامات المعتادة في الدول الغربية قبل أي انتخابات رئاسية، بدأت في فرنسا قبل موعدها المنتظر بكثير، إذ تتصدر«فضيحة كلير ستريم» الساحة السياسية الفرنسية نظراً لما طالته من أسماء قادة كبار في قصر الإليزيه نفسه.

و«كلير ستريم» هي الاسم الشهير لإحدى الشركات الكبرى في لوكسمبورغ، والتي بلغت الأموال التي تمر عبرها سنوياً، ما يقرب من 9 آلاف مليار دولار. وعلى رغم ما أحيط بنشاط هذه الشركة منذ سنوات، فان ما حدث من تسريب لأسماء المتعاملين مع الشركة، والذين تقاضوا عمولات باهظة دفع بها إلى قمة الصراعات السياسية الفرنسية.

حيث وصل إلى السلطات القضائية في باريس خطاب مذيل بتوقيع وهمي «الغراب» حول نشاط هذه الشركة، مرفق به كشف بأسماء بعض المتعاملين معها من السياسيين الفرنسيين، وفي مقدمتهم وزير الداخلية نيكولا ساركوزي، أحد أبرز المرشحين في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو ما حدا بالقضاة لفتح تحقيق فوري في الوقائع التي تضمنها الخطاب.

ولا تعد هذه هي المرة الأولى التي يثار فيها موضوع علاقة بعض الفرنسيين بشركة كلير ستريم، حيث سبق لرئيس الوزراء الحالي دومينيك دو فيلبان، حينما كان يشغل موقع وزير الخارجية أن كلف الجنرال فيليب روندو اخصائي شؤون الاستخبارات في شهر يناير من العام 2004 باطلاق تحقيق في لائحة تبين لاحقا انها مزورة لعدد من الشخصيات الفرنسية، التي كان من المفترض انها تحتفظ بحسابات مصرفية سرية حولت اليها كعمولات في إطار صفقة بيع فرقاطات فرنسية الى تايوان عام 1991.

ويدفع ساركوزي بأي اتهام عن نفسه، بل انه يلقي بظلال الاتهامات في وجه الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس الحكومة دو فيلبان، على اعتبار أنهما يقفان وراء تسريب قوائم أسماء مزيفة للمتعاملين مع «كلير ستريم» وأن شيراك، على وجه التحديد يستغل أجهزة الدولة من أجل تدبير المكائد للإيقاع بأهم المرشحين في الانتخابات المقبلة،

وحتى الآن يحاول ساركوزي الظهور بمظهر الشهيد إلى حد المبالغة التي جعلته عرضة للانتقادات، اذ اتهمه بعض المسؤولين في المعارضة الاشتراكية بأنه يستغل القضية إلى أقصى درجة ممكنة لتظهر صورته كضحية علما انه كان مطلعاً منذ زمن على مجرياتها.

غير أن هذا لم يمنع ساركوزي من التمادي في توجيه الاتهامات إلى شيراك ودوفيلبان، مما جعلهما في قلب المواجهة التي أثارتها قضية «كلير ستريم» مع تلاحق المعلومات المتعلقة بها على رغم من نفيهما المتكرر لأي تورط فيها.

وفي تطور قضائي مفاجئ، قامت السلطات بتفتيش منزل الخبير في المعلوماتية عماد لحود في باريس، وذلك في اطار محاولة القضاة فضح هوية المسؤول عن ارسال القوائم المزورة بأسماء الشخصيات، التي اتهمت بتلقي رشاوى في صفقة بيع الفرقاطات.

خصوصا وأن عمل لحود هذا مع أجهزة مكافحة التجسس الفرنسية، ومع الصناعي جان لوي جيرجوران، احد مسؤولي مجموعة الشركة الاوروبية للدفاع البحري والفضاء «ايدس» إضافة إلى أنه أحد المقربين مندو فيلبان، كل هذا يجعله الأقرب إلى دائرة الشك بأنه هو الواشي في القضية وأنه من وضع اللائحة التي لم تثبت صحتها من عدمه حتى الآن.

وفي لقاء خاص مع فانسان بيون أحد نواب البرلمان الأوروبي، حول الضجة الإعلامية التي تصاحب «كلير ستريم»قال أنا أعتقد أنه يجب توجيه هذه القضية نحو الوجهة الصحيحة. القصة الحقيقية التي تختبئ خلف القضية السياسية المثارة الآن، تعتبر هامة وتشكل العديد من الأسئلة الخطيرة، فالعملية أكثر تعقيدا من كونها صفقة إلى تايوان،

حيث أنها تمس بشكل مباشر التنظيم المالي الدولي، نحن أمام غرفة مقاصة تعاونية بنكية، يتم خلالها يوميا تعاملات بمبالغ ضخمة وغير مراقبة، مما يجعلنا أمام نظام لا يعمل بشكل جيد بل ويسمح بالفساد وكل أنواع الجرائم مثل الاتجار بالأشخاص وبالأعضاء والمخدرات والسلاح».

باريس ـ فابيولا بدوي