يتمتع محمد السنعوسي بحضور إعلامي متميز على الساحة الكويتية خاصة وعلى المستوى الخليجي والعربي بشكل عام، باعتباره أحد رموز الرعيل الأول والطراز ذاته.

فقد مارس العمل الإعلامي على مدى أربعة عقود كاملة وكان له دور أساسي في تأسيس تلفزيون الكويت بداية الستينات، كما ساهم في تأسيس وتطوير الإعلام الخليجي بشكل عام خلال العقود الماضية.

وهو إلى جانب خبرته وتجربته الإعلامية صاحب رؤية فنية وهم إبداعي حيث شارك في إنتاج العديد من الأفلام السينمائية أبرزها فيلما «الرسالة» و«عمر المختار»، بالاشتراك مع المخرج العربي المبدع الراحل مصطفى العقاد.

ويعرف السنعوسي بالجرأة والصراحة من خلال برامجه التلفزيونية العديدة، لدرجة أن البعض يصفه بـ «الاستفزازي» بينما يراه آخرون «ليبرالياً متطرفاً»، أما هو فيرى نفسه معنياً بهموم الناس وقضاياهم وطرحها ومناقشتها بصراحة ووضوح بهدف الوصول إلى حلول ونتائج، وليس لمجرد الاستفزاز أو الإثارة.

ورغم تجربته الطويلة في مجال الإعلام إلا انه ما زال يعتبر نفسه هاوياً متطوعاً، أما وظيفته الأساسية فهي «تاجر ومستثمر»، كما يقول هو نفسه في الحوار التالي الذي أجرته معه وحدة الدراسات في «البيان» أثناء مشاركته في منتدى الإعلام العربي الذي انعقد في دبي مؤخراً، وقبل أن يتم تعيينه بمرسوم من أمير الكويت وزيراً للإعلام في الثاني عشر من مايو الحالي.

عندك تجربة إعلامية حافلة إذاعياً وتلفزيونياً، في البداية ما هو تقييمك لمستوى الحرية في الإعلام العربي؟

ـ طبعا، أنا حاولت منذ السبعينات أن اخلق شيئاَ اسمه حرية ورأي، وتلفزيون الكويت في سنة 1972 كان يقدم برامج حوارية في حين لم يكن أي تلفزيون آخر في ذلك الوقت، وكان عدد التلفزيونات قليلا، يجرؤ أن يقدم برنامجا حواريا حتى في القضايا الاجتماعية.

وبدأ تلفزيون الكويت وهو الأول يقدم حوارات في قضايا ساخنة وفي قضايا تكاد تكون وجهات النظر فيها مختلفة تماما، بعضها مع الحكومة وبعضها من المعارضة ضد الحكومة، وبدأنا بإيماني الشخصي بأنه ما دامت لدينا الإمكانات المالية وهي عنصر رئيسي للإعلام وتوفر الإبداع نسبيا في ذلك الوقت، فلا بد إذاً من توفير الحرية لنجاح التلفزيون.

ولعلنا نشاهد الآن منذ عشر سنوات أن هناك مساحات للحرية تختلف من بلد إلى آخر وان هناك توسعاً من جانب القنوات الفضائية في طرح الفكر السياسي ومجال الحرية في الحوار والنقاش، حتى في قضايا اجتماعية وإنسانية وقضايا تخص البشر ومآسيهم ومشاكلهم، سواء مع الدولة أو مع المجتمع.

أما تقييمي لها فلا يمكن على الإطلاق أن نعممها. لا نستطيع أن نقول إننا في العالم العربي سيئون جدا في هذا المجال، وكذلك لا نستطيع أن نقول إننا جيدون جدا في هذا المجال. الأمر نسبة وتناسب حسب كل بلد وحسب نظامه والأسلوب المتبع فيه والمجال الجديد للطرح والإصلاحات الجديدة، بما فيها الإعلام، من حرية وحقوق إنسان وديمقراطية. لا يمكن تعميم الحكم في هذا المجال، لكنني سعيد جدا بتجربة الكويت وأتمنى أن تعمم على الكثير من الدول العربية.

وعي ناقص

كيف تقارن بين مستوى الحرية الإعلامية الآن، في الكويت مثلاً، وبين فترة السبعينات؟

ـ في السبعينات عندما كنت أقدم برنامجا تلفزيونيا، كانت لدي جرأة شخصية ذاتية وشجاعة في الطرح، بينما كان هناك نوع من التقليد عند بعض الإعلاميين الآخرين الذين لديهم نوع من الرقابة الذاتية تجعلهم لا يستطيعون المصارحة خوفا على معيشتهم أو وظائفهم. ولكن إذا كان هناك مناخ فلا بد من استغلاله بالشكل الايجابي الأفضل.

والمقارنة في اعتقادي تدل على أننا الآن في وضع أفضل من السابق، لان من كان يتردد أو يخاف من إغضاب الحاكم أو من أن يغضب رئيسه أو المؤسسة الفلانية أو له مصالح معينة مرتبطة بهذه الجهة أو تلك، أصبحت لديه الآن جرأة أكثر في الطرح، كما أن المناخ العام أصبح يساعد على تناول وطرح قضايا مختلفة، سواء في مجلس الأمة أو من خلال الصحافة، فهذا يساعد الإعلامي على أن يستقي المعلومة وما هو مطروح ليكمل هو في مجاله وعبر وسائل الإعلام. وبالتالي فالوضع الآن أفضل.

من المعروف أن مجلس الأمة الكويتي يضم تيارات متعددة، فما هو تأثير هذه التيارات على الإعلام الكويتي؟ وهل هو تأثير سلبي أم ايجابي؟

ـ بشكل عام مفيد ومشجع، لأنه على الأقل يجعل الإنسان يستطيع أن يقول إن هذه القضية طرحت من قبل ممثلي الأمة وبالتالي فانا أكمل أو أضيف أو آتي بحقيقة أو فكرة أو معلومة إكمالاً لما طرح في مجلس الأمة بهذه الصراحة.

ولكن طرح أعضاء مجلس الأمة لا يختلف عن طرح الإعلامي الذي يحاول كذلك أحيانا أن يستغل الموضوع وان يجعله سلعة للإثارة أو لمصلحة خاصة على حساب الحقيقة. فما زال مفهوم الحرية في واقعنا الثقافي العربي محدوداً أو يستغل استغلالاً سيئاً، بحسن نية أو بسوء نية، وما زال المتلقي كذلك بمستوى ثقافته لا يستطيع أن يقيم وان يتابع معنى الحرية وان يميز بين الايجابي والسلبي. ما زال القارئ أو المشاهد غير ناضج بما يكفي لفهم رسالة الإعلام.

هل تعني أن مستوى الوعي في المجتمع ما زال يشكل عقبة أمام حرية الإعلام؟

ـ نعم. التربية والتعليم والثقافة، كلها تشكل الوعي العام الذي يسمح للفرد بان يقرأ ويميز بين الحقيقة والكذب وبين المنطقي وغير المنطقي. الآن المتلقي، بشكل عام، يأخذ ما يتلقاه على انه حقيقة بغض النظر عما إذا كان كذلك فعلا أم لا! وهذا خلل كبير في تفكير المتلقي العربي وعقليته وفي تربيته وتعليمه وثقافته.

قبول الآخر

في الجلسة الصباحية للمنتدى كان هناك من اعتبر أنه لا توجد حرية في الإعلام العربي، فما هو رأيك؟

ـ لا، أنا غير متفق مع هذا الطرح. لأنه، مرة أخرى، إعلامنا العربي في وضعه الحالي الآن أفضل مما كان قبل سنتين، وهكذا.. نحن في تطور مستمر. أما أن أطلق تهمة انه كله لا يصلح أو كله كذب، فهذا غير صحيح. يجب أن نكون منصفين لإعلامنا، ففيه لا شك الكثير من السلبيات، ولكن فيه أيضا جانب نشاهده ينمو وبسرعة، وهذا كله يتوقف على مناخ هذه الدولة أو تلك وعلى نظامها ومجتمعها. لأنه في النهاية ما هو الإعلام؟ الإعلام هو نتاج شعب وأمة ونتاج ثقافتها التي تغذي وسائل الإعلام.

من المعروف أن بعض التيارات السياسية قد تكون لديها محظورات معينة، اجتماعية أو سياسية أو غيرها، ترفض أو تعارض طرحها ومناقشتها في وسائل الإعلام، فما هو تأثير ذلك على الحرية الإعلامية؟

ـ عندما تكون لديك كتل أو أحزاب عندها أهداف معينة أو سياسة خاصة، والكل يعمل في السياسة الآن، فمن الطبيعي أن تبذل كل كتلة من هذه الكتل كل إمكاناتها وقدراتها وتستخدم كل الوسائل من أجل مبدأ أو استراتيجية أو فكر تريد طرحه.

وبالتالي عندما يكون الحوار بين هؤلاء، مهما اختلفت مشاربهم أو انتماءاتهم القبلية أو غيرها، فيه شيء من التسامح وقبول الآخر ومن الوسطية والقبول بان أحاورك وتحاورني، كلما كان الوضع جيدا مهما كانت الاختلافات. إنما عندما نبدأ فيما تعلمناه وتربينا عليه من رفض الآخر، كلما تعقدت الأمور ووصلنا إلى الإرهاب والعنف.

وضع مقلق

الآن انتم في الكويت على حدود العراق في وضعه الحالي، وهناك حرب الإرهاب على مستوى العالم وليس في العراق فقط، فما هو تأثير ذلك على الإعلام في الكويت والمنطقة العربية بشكل عام؟

ـ تأثيره ليس فقط على الإعلام. بالنسبة لنا الوضع في العراق ليس قضية مجموعة إرهابية أحيانا يقول البعض إنها جاءت من الخارج. إنها أخلاقيات وسلوك العراقيين أنفسهم. إن القضية قضية عراقية بحتة، وتذكرنا الآن بأنه منذ قتل الخليفة عثمان بن عفان، أو ما يسمى بالفتنة، مستمرة إلى هذا اليوم.

وبرزت الآن كما كنا نعرفها كامنة في الصدور. فالوضع العراقي كالوضع الفلسطيني، ليس فقط مشكلة جهة أخرى، بل هي مشكلتهم. ما يدور الآن بين الفلسطينيين هو عار، أن يختلفوا بفصائلهم المختلفة وبهذه الطريقة من الشرذمة والتفكك والاحتراب والعنف والسلب وتبادل الشتائم والتهم، هذا عيب. فبعد خمسين عاما من النضال في سبيل قضية كبرى نجد حاضرها أسوأ من ماضيها.

هذا ينطبق على أهل العراق، عندما فتح لهم الآن مجال كان حلما بالنسبة لهم نجد أنهم لا يستطيعون حتى فهم الوحدة الوطنية، ولا يفهمون معنى الديمقراطية، ولا كيف يكونون وحدة من اجل عراق موحد، بل ظهرت العيوب وتزداد. ولكن دائما نحن نحاول إرضاء أنفسنا بالقول إننا متفائلون، ولكنه تفاؤل فيه الكثير من التشاؤم.

البعض يتحدث الآن عن إمكانية حرب أهلية ذات صبغة طائفية في العراق...

ـ هي حرب أهلية فعلا، وطائفية في الأساس.

إذاً، كيف سيكون انعكاسها على المنطقة العربية بشكل عام ودول الجوار بشكل خاص؟

ـ تزعجنا جدا، وفي الكويت نحن في الموقع الأضعف فنحن لم نختر جيراننا.. عندنا إيران من جهة وعندنا العراق من جهة، وبالتالي نحن في وضع لا نحسد عليه. ولكن مع هذا كله نحن نحاول قدر الإمكان أن ننسى الماضي وان نفكر بأسلوب حضاري وبالتعاون وتبادل المصالح كما نحاول أن ننمي ونساهم في التنمية في العراق وأن نتقارب مع إيران أكثر.

ولكننا في الوقت الذي يوجد فيه تقارب كبير، نفاجأ بان هناك محطة نووية تهدد الخليج بأكمله ونحن الضحايا في البداية، سواء كانت الضربة من إسرائيل أو أميركا أو من أي جهة أخرى. الآن بعد عشرين سنة على حادث تشيرنوبل ما زلنا نشاهد أطفالاً في الخامسة والسادسة من أعمارهم مصابين بالسرطان بعد كل هذه المدة. ولذلك نحن لا نثق في أي وعود أو كلام، ونحن خائفون فعلا وجزعون، وعلينا مواجهة هذه الحقائق.

تنوع إيجابي

بالعودة إلى الوضع الإعلامي، نلاحظ أن هناك تنوعا وصل إلى حد «التضخم»، بالنسبة للقنوات الفضائية بشكل خاص، فهناك قنوات إخبارية متخصصة وأخرى فنية وعندنا «تلفزيون الواقع» وغيرها كثير، فإلى أي مدى يمكن أن يصل هذا التنوع التلفزيوني؟ وما هو تأثيره على المجتمع بشكل عام وعلى الوعي المجتمعي؟

ـ يجب ألا نضخم الأمور بشأن كثرة هذه القنوات وتنوعها، وفيها الجيد والسيئ طبعا، أنا اعتقد أن هذه مسألة ثانوية ولا أرى أنها تغير كثيرا، لأنه في النهاية لو انك قمت بإجراء استفتاء معين فستجد أن من يتابع التلفزيون إنما يتابع عددا محددا من القنوات التي اختارها لنفسه والبقية ربما لا يعرف حتى مجرد أسمائها.

أليست لديك مخاوف من تأثيرات سلبية على الإعلام من هذه الناحية؟

ـ ليست مخاوف بقدر ما هي حقيقة موجودة. فهناك طروحات كثيرة سواء حول قضايا مصيرية ومهمة وفي قضايا فكرية سياسية وهناك العديد من الأفكار بدون شك، ولكن ليس معنى ذلك أن ارفضها وإنما أطالب في الوقت ذاته بان ينضج هذا المجتمع العربي وان يتعلم كيف يفرز الصالح من الطالح. هذه مدرسة وخير وبركة كثرة هذه القنوات، لأنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح.

الحرية والمسؤولية

هذا يقودنا إلى الإشكالية الأزلية بين الحرية والمسؤولية، فإلى أي حد يمكن التوفيق بينهما في مثل هذا الواقع؟

ـ أنت هنا تعود إلى أصل القضية، والأصل لا يأتي فقط من الإعلام وإنما يعود في الأساس إلى التعليم والتربية، فإذا استطعت أن تهيئ الناس بحصانة من الثقافة ومن التعليم ومن التربية فلا خوف عليهم. أنت تعلم انه في معظم الدول العربية لا تدرس مادة «التربية الوطنية» مع أنها عنصر مهم جدا وأساسي لتحصين الإنسان مما يسمعه أو يشاهده، ليس فقط عبر القنوات الفضائية العربية، وإنما من أي مصادر أخرى. وهناك مسؤولية على مؤسسات المجتمع المدني وعلى المؤسسات الحكومية، ويجب ألا نضع الوزر كله على الإعلام، فالإعلام وسيلة مهمة لكنه ليس وحده المسؤول.

لكن الإعلام أيضا يقع عليه دور كبير في تنمية وترشيد الوعي المجتمعي..

ـ هذا صحيح، له دور كبير ومؤثر. لكني لا أستطيع أن أقول انه يجب ألا تقوم أي محطة حتى أضع لها رقيبا. أنا لا أؤمن بالرقيب، فكيف أناقض نفسي؟ الرقيب يجب أن يكون في بيتك ومن أهلك، فأنت لست مجبراً على مشاهدة أي قناة. والآن اختلفت الأمور فأنت، حتى من الناحية التكنولوجية، لا تستطيع أن تراقب كل شيء، فهناك الانترنت وتدفق المعلومات بوسائل عديدة. عليك أن تحصن نفسك، وإذا كنت عاجزاً عن توفير البديل الأفضل فلا تشتك!

برامج مملة

بالنسبة للبرامج الحوارية، وأنت لك باع طويل في هذا المجال، ما رأيك فيها؟ وكيف تقيمها؟

ـ أنا مختلف، فبرامجي لها صفة مختلفة وهدف محدد. أنا أسست، ليس فقط الإعلام الكويتي، وإنما على مستوى الخليج كله وفي كل مؤسساته كان لي دور مهم في الموضوع وكنت احد الذين ساهموا. لكني عندما أقدم برنامجاً أو أعمل في الإعلام فاني افعل ذلك كمتطوع وهاو.

أنا مستثمر وتاجر في الأساس، وإنما اعمل في الإعلام لأنني اعشق الإعلام وأحب الإعلام، وفي الوقت ذاته عندما أقدم برامج فانا أقدمها لمصلحة الناس، للمظلوم ومن عنده مأساة أو مشكلة مع الدولة أو أي جهة أخرى، حتى لو كانت مسألة اجتماعية أو خلافات عائلية..

هل شعرت بخيبة أمل من أي نوع خلال تجربتك الإعلامية؟

ـ لا، لسبب بسيط جدا وهو انه مع كثرة القضايا التي اطرحها والمواضيع الخطيرة التي أتحدث فيها بصراحة وفيها علاج للبشر وغير ذلك، فانا أجد تجاوبا كاملا من كل الجهات، وحتى المسؤولون يعملون حساباً لبرنامج السنعوسي، وهذا ما يجعلني استمر، فانا عندما اطرح قضية آخذ ملفها في اليوم التالي لأتابع ما تم فيها.

وإذا لم يتخذ أي إجراء بشأنها خلال فترة معينة، أسبوع أو أكثر حسب الوعد الذي حصلت عليه، أفضحهم على التلفزيون وبالأسماء. ولكن للأسف الشديد مثل هذه البرامج قليل الآن، قليل جدا وهذه حقيقة. فالبرامج الحوارية الآن أصبحت مملة والكل يحاول الهروب منها إن استطاع!

هل بدأت علاقتك بالتلفزيون من خلال تقديم البرامج عام 1972 أم قبل ذلك؟

ـ لا! أنا أسست تلفزيون الكويت سنة 1960. بدأت في الستين بتأسيس الإعلام الكويتي ثم الخليجي، وهكذا..

لا شك انك خلال هذه التجربة الطويلة مررت بمواقف صعبة وربما مواقف لا تخلو من الطرافة أيضا...

ـ هذا سؤال لطيف مع انه تقليدي، ولكني لا أتذكر الآن موقفاً محدداً بعد هذا العمر.. وبالمناسبة، كم تقدر عمري الآن؟

ما زلت شاباً..

ـ أعرف ذلك وأنا سعيد به. لقد تجاوزت الخامسة والستين، ومع ذلك فأنا مستعد لمطارحة الشباب ومصارعتهم وأن أركض معهم وأتغلب عليهم.

موقف مؤثر

ما هو أكثر موقف أثر فيك شخصياً أو في عملك؟

ـ هناك مواقف كثيرة. لكن آخر المواقف المزعجة والذي أثر في بشكل كثير كان قبل أسبوعين. فأنا لدي برنامج سياسي اسمه «الاثنين» أقدمه أسبوعياً كل يوم اثنين بالاشتراك مع الدكتور أحمد الربعي، ولما حضر للمشاركة في الحلقة الأخيرة كان يشكو من صداع شديد، فقلت له: أنا منذ شهرين أطالبك بأن تذهب إلى الطبيب وتكشف على صحتك لأن هذا الصداع ليس طبيعياً. فرد علي بأنه لا يريد الذهاب إلى الطبيب ولا يحتاج إليه. لكني أصررت عليه وأخذته إلى المستشفى وأجروا له الفحوص اللازمة فاكتشفوا انه يعاني من ورم خبيث..

ولهذا أوقفت البرنامج. فهذا أحد المواقف المحزنة التي أثرت علي، خاصة أني تعودت عليه في هذا البرنامج، أحاوره ويحاورني، وفجأة أعلم أنه يعاني من السرطان! هذا موقف مؤلم جداً. لذلك أنا أقدم برامج، ولكن في أي لحظة يمكن أن أقول لهم: شكراً، مع السلامة.

وهذا ما حصل معي فعلاً الأسبوع الماضي، فقد شعرت بالملل أثناء البرنامج وفي آخره قلت للمشاهدين: هذه آخر حلقة ومع السلامة! وعندما خرجت من الاستوديو وجدت مدير تلفزيون «الرأي» يسألني: ما الذي فعلته ولماذا؟ فأجبته: «خلاص» الأسبوع المقبل ابحثوا لكم عن غيره!

العنف التلفزيوني

ما هو تقييمك لمستوى العنف في البرامج التلفزيونية، وخاصة في نشرات الأخبار؟

ـ هذا ليس جديداً على الإطلاق. فالعنف نجده حتى في الأفلام، كالأفلام الأميركية مثلاً، فهي أكثر ضرراً من العنف في الأخبار وتحريرها، وحتى من «الخبث» بين السطور. والخطورة الحقيقية في أن تقوم قناة مشاهدة، كالجزيرة مثلاً، بوضع شخص في موقع قيادي ويحاول أن يغير فكرك ولا يكون ايجابياً وفي مكان لا يؤتمن عليه، لأن عنده فكراً معيناً أو فكر جماعة معينة وهو ينتمي إليه ويدس السم في العسل. هذه هي الخطورة وهذا هو العنف.

لماذا نحن نعاني الآن من مستوى العنف الذي وصلنا إليه؟ على سبيل المثال، عندما نتحدث عن استشهادي من شباب فلسطين في سن الثالثة عشرة إلى العشرين، فهذا انتحار واقتحام لعقلية هذا الشاب الصغير ومسح لدماغه أو تخدير له ليذهب ويقتل نفسه، ويلقن والداه كيف يصرحان في اليوم الأول، ثم يغلقان عليهما الباب ويبكيان ليلاً ونهاراً.

لماذا لا يكون ابن وزير أو قائد أو زعيم فصيل أو أي «ثوري» آخر؟ لماذا لا يذهب أحدهم وينتحر؟ هذا هو العنف لأن هناك ترويجاً في الإعلام لأكذوبة لا تؤدي إلى شيء ولا نصل بها حضارياً إلى هناء وسعادة الإنسان الفلسطيني البائس! الفكر العربي مسلوب من الجانب الايجابي للتقدم إلى المستقبل.

إذاً، أنت ترى أن هناك مشاكل في الإعلام العربي؟

ـ من دون شك.

ما هي أبرز هذه المشاكل؟

ـ الشعب العربي يحب النقاش والأخبار لأنه يعيش واقعها يومياً بتوترات مستمرة وفي أوضاعه الداخلية كذلك، وهكذا. فيشاهد ويتأثر. فعلينا كإعلاميين أن نكون ايجابيين، وبالمناسبة أسوأ شيء في الإعلام ووسائل الإعلام هو الإعلاميون أنفسهم، فهم سيئون.

هل هم سيئون من حيث الكفاءة المهنية أم من حيث الأفكار والتوجهات؟

ـ الكفاءة المهنية تؤهل. أنت يمكن أن تكون رئيس تحرير ممتازاً كصحافي ناجح مهنياً، ولكن إذا لم توظف كفاءتك بشكل إيجابي للناس وتضع في اعتبارك الأمهات والبشر وتعمل بضميرك وإنسانيتك ويكون هدفك أن تكون صادقاً وشفافاً وتتأكد من معلوماتك، فستضيع الدنيا وتضيع الناس ويمكن أن تتسبب في مآس للكثيرين.

ما حدث من تأجيج قضية الرسوم في الدنمارك، على سبيل المثال، نحن على مستوى الإعلام أججنا القضايا لنسيء إلى الإسلام والمسلمين بهذا الطرح وبهذا الأسلوب الغوغائي الفوضوي.

أليست مهمة الإعلام أن ينقل الوقائع كما هي؟

ـ نعم ينقل الواقع، ولكن ما قام به بعض الخطباء والواعظين جعل العدوى تنتقل إلى الآخرين بما فيها من عنف وتكسير وغير ذلك.

حاوره: عبد الله إسحاق