الحلول الدبلوماسية والاعتراف بالأخطاء هي وحدها الطريق الذي يعتقد كل من السيناتور الأميركي الأسبق جورج ميتشل، ووزير الدفاع الأميركي الأسبق وليم كوهين، الواجب اتباعها من أجل تفادي المزيد من المشكلات في منطقة الشرق الأوسط، التي تركها كلاهما قبل أعوام، وهي الان تعصف بالمزيد من المشكلات السياسية.

وتقف على أعتاب أزمة جديدة في ظل إصرار الإدارة الأميركية الحالية على تخلي طهران عن برنامجها النووي، الأمر الذي يعتقد ميتشل ضرورة الاحتكام فيه إلى الطرق الدبلوماسية، لأن المناخات الدولية لم تعد تتحمل أي حرب جديدة في المنطقة.

ومع استمرار الجمود السياسي في ملف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، فإن ميتشل وهو صاحب المذكرة الشهيرة قبل خمسة أعوام لحمل طرفي الصراع للعودة إلى طاولة المفاوضات، لا يزال يحدوه الأمل بأن يعود الزخم للعملية السياسية.

مؤكدا على ضرورة وقف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، بينما آثر كوهين التركيز على ضرورة معالجة الأخطاء الأميركية في العراق، مع التذكير بجهود جارية حاليا في (الكونغرس) الاميركي لحظر التعذيب في المعتقلات التي تشرف عليها بلاده بهدف انتزاع اعترافات .

بداية التقت «البيان» السيناتور ميتشل :

ـ ذكرت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس خلال مؤتمر صحافي عقد في لندن، أن الولايات المتحدة لم ترتكب العشرات أو المئات من الأخطاء، وإنما الآلاف منها بالرغم من أن الهدف الرئيسي من الحرب على العراق كان صحيحا، فمن يتحمل مسؤولية تلك الأخطاء التي تحدثت عنها الوزيرة؟

- الأميركيون هم من سيقرر ذلك، فكما تعلمين أنا عضو في الحزب الديمقراطي، ومع ذلك لم أؤيد مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية الماضية، والواقع يحتم علينا أن نتعامل مع الوضع الحالي، وما يجري الآن في العراق، وبغض النظر عن عدم موافقتي تجاه بعض السياسات خلال الفترة الماضية، ولكن علينا الآن أن نتعامل مع الواقع الذي نعيشه الآن.

لقد كنت ومازلت مؤمنا بأن سياسة الحصار الاقتصادي، التي فرضت على نظام صدام حسين وطبقتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة كانت هي السياسة الأصح من وجهة نظري، ولكنها طبقت بشكل ضعيف وهزيل من قبل الإدارة الأميركية، والأهم الآن هو أن يركز الجميع على كيفية معالجة الوضع في العراق .

ـ هل تتفق معي أن العراق يعيش على أعتاب حرب أهلية، في ظل عمليات القتل والخطف والحرق للمساجد والحسينيات؟

- الأوضاع الأمنية التي يعيشها العراقيون صعبة للغاية، ولكن لا نزال نأمل أنه في ظل الوجود الحالي لحكومة عراقية جديدة ودائمة، أن تسنح الفرصة بأن يحافظ العراقيون على وحدة الصف وعدم السماح للمذهبية.

وأن يعمل العراقيون والحكومة العراقية الجديدة بجد لبناء مجتمع ديمقراطي مستقر يتمكنوا من خلاله من تحديد مستقبلهم ومستقبل بلادهم، لتتمكن القوات الأجنبية من الانسحاب من العراق، ومن ثم يكون بإمكان العراقيين تحديد مستقبلهم.

ـ برأيك سيناتور ميتشل، ما هي السياسة الصحيحة التي كان يجب اتباعها مع النظام العراقي الأسبق؟

- من وجهة نظري، كان قرار الأمم المتحدة بفرض الحصار الاقتصادي على العراق هو القرار الأصح، والطريقة المثلى للتعامل مع النظام هناك، ولكن طريقة تطبيقه كانت خاطئة.

ولا أعتقد أن هناك فائدة الآن من مناقشة تلك القضية، وعلينا ألا نركز وقتنا وجهودنا للمحاسبة على أخطاء حدثت في الماضي، لدينا واقع بين أيدينا على درجة عالية من الجدية والصعوبة، في ما يتعلق بالوضع في العراق، وعلينا الآن أن نركز الجهود من أجل تحسين الوضع الأمني والمعيشي للعراقيين، ليتمكنوا في نهاية المطاف من أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم.

ـ هل تعتقد أنه مع انتخاب الحكومة العراقية الجديدة، سيصبح هناك أمل باستقرار سياسي وأمني في العراق ؟

- من الصعب الحكم على ذلك الآن، ولكن نأمل في أن نتمكن من الوصول إلى تحقيق هذا الهدف، لقد جرت الانتخابات العراقية وهي عنصر مهم للديمقراطية، لكن المطلوب الان تمكين الحكومة العراقية وقوات الأمن من فرض سيطرتها على البلد، وأن تتمكن من حماية أفراد الشعب العراقي حتى يتمكن العراقيون من العيش بسلام ومزاولة حياتهم اليومية بصورة طبيعية.

ـ تشهد المنطقة تصعيدا أميركيا إيرانيا، يذكر بنفس الأجواء التي سبقت الحرب الأميركية على العراق، فالتصعيد في اللهجات ما بين البلدين قائم، وبوادر الانقسام في مجلس الأمن الدولي ظاهرة :روسيا تتحالف مع الصين ضد المحاولات لمعاقبة إيران، بينما تقف بريطانيا مرة أخرى في حلف الولايات المتحدة ؟

- لا أعتقد أن التاريخ يعيد نفسه، نعم هناك بعض التشابه ولكن هناك اختلاف في الأجواء التي نعيشها مع إيران في الوقت الحاضر، وبين تلك التي عشناها قبل الحرب على العراق،ايران ليست العراق .

كما أن سياسة الولايات المتحدة وأوروبا تجاه العراق تختلف عنها تجاه إيران، إذ تتبع واشنطن الطرق الدبلوماسية في التعامل مع ملف إيران النووي، أسوة بالملف الكوري الشمالي.

ـ هل تتوقعون أن توجه الولايات المتحدة الأميركية ضربة عسكرية لإيران إذا لم تنصع للمطالب الدولية وخاصة المطالب الأميركية بتخلي طهران عن طموحها النووي ؟

- شخصيا لا أعتقد ذلك، فالإعلام هو من يحاول إظهار الفشل في الجهود الدبلوماسية الحالية، في التعامل مع الملف الإيراني، وأعتقد أن الخبراء والمسؤولين الحكوميين هم من يستطيعون تحديد الفشل أو النجاح، وعلى القائمين على الملف النووي الإيراني بذل جهود أكبر لإنجاح المساعي الدبلوماسية بشأن ملف إيران النووي .

كما أن الولايات المتحدة أكدت على أن جميع الخيارات مطروحة بما فيها الخيار العسكري، ولكن أعتقد أن واشنطن ستتجه لاعتماد الخيار الدبلوماسي في تعاملها مع إيران وليس الخيار العسكري.

ـ ولكن ألا يبحث المحافظون الجدد في ادارة جورج بوش عن المزيد من الحروب لخوضها، تحقيقا لأهدافهم ؟

- هذا الكلام غير صحيح على الإطلاق، ولم تعلن أي حكومة أميركية رغبتها في خوض مزيد من الحروب، ولا تسعى لخوض مزيد من الحروب، والرئيس جورج بوش ووزيرة خارجيته ذكرا أن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة، وأنهما يفضلان اعتماد الدبلوماسية في حل الأزمة مع طهران.

ـ إذا لم تذعن إيران للمطالب الأميركية بشأن ملفها النووي، وانتهى الأمر بتوجيه ضربة عسكرية أميركية لها ألا تخشون أن ترد إيران من خلال العراق وبخاصة أن إيران أصبح لها نفوذ كبير هناك، كما أن غالبية الشعب العراقي هم من الموالين لإيران ؟

- أولا لا أتفق معك بأن غالبية شعب العراق موالين لإيران، فهناك السنة في وسط العراق وهناك الأكراد في الشمال، ولكن عودة إلى سؤالك بالطبع هذا أمر وارد ومتوقع، وإيران بالفعل بات لها نفوذ في العراق، وقد سبق واتهمت واشنطن حكام إيران بالوقوف وراء حالة عدم الاستقرار الأمني الذي يعيشه العراق. وأنا شخصيا أعتقد أن تلك الاتهامات لا أساس لها من الصحة.

ـ في ظل تولي حركة حماس للسلطة في فلسطين، هل مازال هناك أمل في خريطةالطريق ؟

- نعم أعتقد أن الأمل مازال موجودا ، تعاملت مع ملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني منذ وقت بعيد، فالإسرائيليون يسعون لتحقيق الأمن لشعبهم ولإسرائيل فهم يعيشون في هاجس أمني وخوف مستمر ، كذلك الفلسطينيون ليس لهم دولة ويسعون لإنشاء دولة مستقلة لهم لها كيان جغرافي واقتصادي مستقل.

وأنا أعتقد أن الطريقة المثلى لتحقيق جميع تلك الأهداف هو عن طريق تقريب وجهات النظر وحل الخلافات القائمة بين الطرفين ، بالطبع هناك خلافات عدة ، ولا أعتقد ان التوصل إلى إتفاق بين الجانبين أمر مستحيل .

ـ انتقدتم في تقرير نشر منذ سنوات استمرار إسرائيل في انتهاج سياسة التوسع من خلال بنائها للمستوطنات وحذرتم من سلبيتها على عملية السلام ، ألا زلتم ضد سياسة إسرائيل التوسعية المتمثلة في ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وبناء المزيد من المستوطنات ؟

- نعم قلت في ذلك التقرير ( تقرير ميتشل ) والذي مضى عليه خمس سنوات ، أنه يجب وقف بناء المستوطنات الإسرائيلية، وأنا ما زلت أعتقد بذلك ، كما أنني قلت سابقا ما يجب على الفلسطينيين فعله ولا أزال أعتقد بذلك أيضا .

ولا أريد ان يقال عنى متغطرس ،ولكن أعتقد أن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لو نفذا الخطوات التي اقترحت لهم في هذا التقرير لكان تمكن الطرفان من التوصل إلى اتفاق ، ولكن المهم الآن هو التركيز على كيفية الخروج من حالة الجمود التي وصل إليها الطرفان في مباحثاتهما ، وأنا أؤمن بأن الطرفين سيتمكنان في نهاية الأمر من تحقيق سلام فيما بينهما من خلال إيجاد دولتين مستقلتين يعيشون بسلام بجانب بعضهما البعض .

ـ الفلسطينيون يعاقبون بالتجويع بسبب خيارهم الديمقراطي واختيارهم لحكومة حماس ، لماذا هذا التجويع لشعب كامل ؟

- أعتقد أن من حق الشعب الفلسطيني اختيار حكومته، وهذا ما يعنيه النظام الديمقراطي ، ولكن الديمقراطية لا تأتي فقط من خلال الانتخابات ، وعندما تنتخب حكومة ما بشكل ديمقراطي عليها أن تعبر أفعالها عن نهج الديمقراطية .

وزير الدفاع الأسبق ولقاء عرضي

كان وزير الدفاع الاميركي الأسبق وليام إس كوهين قد خرج مغادرا قاعة المؤتمر على وجه السرعة، تقدمت إليه طالبة طرح بعض الأسئلة، وبعد محاولات كثيرة وافق على منحنا دقيقتين لضيق الوقت وارتباطه بمواعيد مهمة جدا، وكان علي السير بسرعة إلى جانب وزير الدفاع الأسبق للحصول على إجابات لأسئلتي ، فيما توقف الوزير للحظات ليجيب على أسئلتنا بابتسامة رقيقة حيث سألناه :

ـ معتقل غوانتانامو ، سجن أبوغريب في العراق،في أفغانستان جميعها شوهت صورة الجندي الأميركي في العالم العربي ، ما هي جهودكم لتحسين صورة الجندي الأميركي في عالمنا العربي والذي ارتكب الكثير والكثير من الانتهاكات الإنسانية ؟

- أولا لا بد من الإشارة إلى أن عدد الجنود الأميركيين الضالعين في انتهاكات وإساءات أعدادهم محدودة مقارنة بتعداد الجيش الأميركي الضخم ، ونحن شجبنا تلك الانتهاكات.

وهي غير مقبولة على الإطلاق، ويجب معاقبة مرتكبيها إذا ما ثبتت إدانتهم ، وأود هنا أن أؤكد بأن تلك الانتهاكات غير مقبولة على الإطلاق وهي مرفوضة من قبل أرفع الجهات في الحكومة الأميركية .

والسيناتور جون ميكين وهو صديق مقرب لي يضغط في الكونغرس لإصدار تشريع يحرم استخدام أساليب التعذيب ونوعية أساليب التعذيب المتبعة لانتزاع الاعترافات ، لذلك نحن نتخذ خطوات جادة لإصلاح الضرر والأذى الذي لحق بصورة الجندي الأميركي وساهم في تشويهها في المنطقة بسبب تصرفات بعض الجنود غير المسؤولين والذين أعطوا صورة خاطئة عن هذا الجندي .

ـ معتقل غوانتانامو جلب الكثير من الانتقادات للحكومة الأميركية عالميا، وهي التي تنادي باحترام حقوق الإنسان في العالم ، ألم يحن الوقت لإغلاق هذا المعتقل ، أليس من حق كل سجين في العالم الحصول على فرصة عادلة لمحاكمة عادلة يثبت من خلالها براءته أو تجريمه ؟

- كل معتقل في العالم عليه أن يخضع لظروف اعتقال ذات مستوى معين ، وعلى الكونغرس الأميركي الضغط على الحكومة الأميركية لكي توفر ظروف اعتقال مناسبة للسجناء طبقا لاتفاقيات حقوق الإنسان الدولية ، وأنا أؤمن بضرورة أن يقدم هؤلاء المعتقلون للمحاكمة، فالمحاكمة من حق أي سجين في العالم ، وأعتقد أن ذلك سيحدث وستتم محاكمة هؤلاء السجناء في غوانتانامو من خلال محاكم عسكرية تخصص لهذا الغرض.

حوار : كفاية أولير