«إن حكومة جلالته لتنظر بعين الارتياح إلى إنشاء وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي وستبذل أطيب مساعيها لتسهيل بلوغ هذه الغاية. وليكن معلوماً أنه لن يعمل شيء من شأنه أن يلحق الضرر بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين أو بالحقوق التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر والمركز السياسي الذي حصلوا عليه».

هذه الكلمات الـ 59 ، عبارة عن نص« وعد بلفور» أو الرسالة التي أرسلها اللورد بلفور وزير خارجية بريطانيا إلى اللورد روتشيلد في عام 1917، والتي ترتب عليها الحدث الأكثر ألما في تاريخ الفلسطينيين والعرب،وهو«النكبة» أو إقامة إسرائيل على ارض فلسطين العربية .

النكبة كما تصفها أدبيات حركة فتح ، هي عبارة عن حكاية استبدال اسم المكان، وحكاية استبدال الإنسان صاحب الأرض والذاكرة، بقادم من بلاد الصقيع واصطناع ذاكرة جديدة له.

النكبة هي الصرخة التي لا تزال، تبحث عن استقرار لها، وعن حل لكل الأوجاع الجارحة التي زرعتها في ذهن ويد الفلسطيني. النكبة في جرحها الثامن والخمسين،لا تزال طريّة الجرح، ولا تزال تبحث عن دواء شاف لقلق جروحها المستمرة.

هذه النكبة التي تصادف ذكراها اليوم ، تحمل في طياتها الكثير من التطورات الجديدة على ارض الواقع ، أبرزها تولي حركة حماس الحكومة الفلسطينية ،وهو ما احدث انتفاضة عالمية تبلورت في شكل حصار خانق على الفلسطينيين وعلى حكومة إسماعيل هنية وهي أمور إن بدت صغيرة للجميع، إلا أنها تشكل معضلة كبرى لحكومة هنية، التي ورثت خزينة خاوية.

وديونا تصل إلى 750 مليون دولار للداخل ، وأكثر من مليار ونصف للخارج، وسط وقف تام للمساعدات الغربية وتجميد إسرائيل للأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية من عائدات الضرائب، إضافة إلى عدم وفاء الكثير من العرب بالتعهدات المالية التي قطعوها على أنفسهم.

هذه الضغوط الرهيبة دفعت البنك الدولي إلى التحذير من وقوع أزمة إنسانية في الأراضي الفلسطينية وانهيار السلطة في حال لم تستأنف المساعدات الدولية .

وقال في تقرير حديث إن عدم إمداد السلطة الفلسطينية بمساعدات قد يلحق بها أضرارا جسيمة . وأضاف إن الأزمة المالية التي تشهدها السلطة الفلسطينية وعدم قدرتها على دفع رواتب عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين ستؤدي بالضرورة إلى تعاظم غياب الأمن وانتشار العنف .

وخلص التقرير إلى التحذير من أن انقطاع الرواتب عن عناصر الأمن الفلسطيني سيؤدي إلى غياب الانضباط، وان السلطة الفلسطينية ستصاب، في نهاية الأمر بالشلل التام . كما جاء في التقرير إن غياب المساعدات الآن سيؤخر أي مجهودات لبناء دولة فلسطينية بأكثر من عقد من الزمن.

ليس هذا فقط ، بل إن الجميع يضغط الآن على «حماس» ويطالبها بأن تحرق نفسها ، أي أن تختار بين خيارين كلاهما نتيجته واحدة، الأول الانتحار السياسي عبر الاعتراف بإسرائيل والتنازل عن بزة المقاوم.

وفكره وأحلامه الثورية التي جاءت بها إلى الحكم، والثاني الخنق السياسي والعقاب الاقتصادي لشعبها جراء رفضها الخيار الأول، إذ إن شروط لعبة السياسة تفرض عليها تنازلات لا تستطيع القيام بها.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، بل إن التصعيد الإسرائيلي اخذ شكلاً ولوناً آخر ، حيث انتقل إلى مرحلة حساسة ومهمة جداً ارتكزت على عاملين أساسيين، أولهما الجدار الذي بني ولا يزال يبنى في مقاطع كبيرة من الضفة الغربية محولاً إياها إلى معازل وكنتونات، ويحد بشكل كبير من حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة، وكذلك ترك أثارا اقتصادية واجتماعية هائلة على الفلسطينيين.

أما العامل الثاني فهو إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت على تنفيذ خطته ل«تجميع مستوطنات» في الضفة، متبجحا بأنه « إذا لم يقبل الفلسطينيون الشروط التي فرضها المجتمع الدولي فسيكون على إسرائيل أن تحدد بمفردها حدودها الدائمة».

إذن نحن أمام واقع جديد ينبغي على العالم العربي أن يتدخل سريعا لتغيير ملامحه ، حتى لا تظل النكبة وتداعياتها باقية إلى الأبد ، ويصبح الشعب الفلسطيني في هذه الحالة مجرد ذكرى تستطيع إسرائيل أن تنسيها للجميع .

خالد سيد احمد