منذ العام 1948 - عام النكبة- والحاج محمد أبو المنذر( 79 عاماً) يعيش في مخيم الأمعري قرب رام الله لكن مدينته «اللد» التي هجر منها بقوة السلاح وهو شاب لم تغب يوماً عن باله.
في هذا المخيم الفقير المكتظ بالسكان، عاش أبو المنذر، أنجب سبعة أبناء، اعتقل معظم أبنائه أو أصيبوا بجراح على أيدي قوات الاحتلال.
«منذ وصولنا إلى هنا قبل نحو ستين عاماً لم نذق يوما طعما للراحة، عشنا في البداية في خيام مفتوحة على حر الصيف وبرد الشتاء، ثم منحتنا وكالة غوث اللاجئين بيوتاً صغيرة متلاصقة لا تبعد الواحدة عن الأخرى سوى سنتيمترات صغيرة، كنا هناك في بلدنا نملك كل شيء، نملك الأرض و البساتين والبيوت والمال، وخرجنا تحت القصف دون شيء، لم نحمل سوى ملابسنا».
وقد تحول اللاجئون الفلسطينيون الذين توزعوا في أصقاع الأرض، إلى عمال أجرة لدى الغير.
ويقول أبو المنذر: «لقد عملت مثل العبد عند الكثيرين، ذقت الكثير من المرارة، وها هم أبنائي يعملون مثلي، لم استطع توفير تعليم مناسب لهم، فخرجوا من مدارسهم مبكرا والتحقوا بالعمل، وها هم لا يجدون حتى العمل بالأجرة».
ويتعرض الشعب الفلسطيني لحصار اقتصادي وسياسي أدى إلى ارتفاع نسب البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة.
وتظهر آثار الحصار بصورتها الأسوأ في مخيمات اللاجئين حيث لا يملك الناس سوى قوة أجسادهم للعمل في مهن يدوية لم تعد قادرة على جلب قوت العاملين فيها بسبب إحجام الناس عن البيع والشراء بسبب توقف الدخل لدى نسبة كبيرة من السكان جراء الحصار.
وفي مخيم عسكر قرب نابلس تمثل عائلة أمين النابلسي اليافاوية، على نحو ما، نموذجاً للمصير الذي لاقاه الفلسطينيون الذين هجروا من وطنهم في العام 1948، عام النكبة، مصير التشرد والتشتت وخسارة كل شيء.
فبين عشية وضحاها فقدت هذه الأسرة التي كانت من أبرز تجار يافا، فقدت أموالها وأملاكها، وتشتت في أصقاع الأرض.. كانت الأسرة في ذلك الوقت تتألف من الوالد والوالدة وأربعة أبناء وبنات، الابنان محمد 20 عاماً ومحمود 13 عام، وابنتين متزوجتين.
ومن بقالته الصغيرة في مخيم عسكر القديم قرب نابلس، يروي الابن الأكبر محمد البالغ من العمر اليوم 76 عاماً ما آل إليه مصير عائلته قائلاً: «كانت عائلتنا من أبرز تجار يافا، كنا نمتلك ثلاثة محلات واسعة في شارع العالم في حي المنشية، وكنا نوزع البيض على المراكز السكانية خاصة مراكز اليهود ومعسكرات الجيش البريطاني، وكانت لنا مبالغ مالية كبيرة في السوق خسرناها بالكامل في ذلك العام المشؤوم، عام النكبة».
ويتابع: «كانت يافا مركزاً تجارياً كبيراً، ليس في فلسطين فحسب بل في المنطقة ، وكان ميناء يافا مصدراً لتوزيع السلع والبضائع إلى الدول المجاورة ، الأردن وسوريا ولبنان، ومركزاً لاستقبال البضائع من مختلف الأنحاء. وكنا نحن أبرز تجار البيض، وكانت تصلنا كميات كبيرة من البيض عبر الناقورة أو عبر الميناء. وأذكر أننا كنا نوزع كل نهار ثلاث شاحنات من البيض على المحلات والمراكز المختلفة».
ويمضي قائلاً:« وعندما احتلت المنظمات الصهيونية المدينة أخذت تطلق قذائف المورتر، والرصاص على المنازل، وقامت بنسف عدد من البنايات ما اثار الفزع في نفوس المواطنين الذين اندفعوا خارج المدينة في كل اتجاه بحثاً عن الأمان».
ويضيف : « ومما زاد من حدة الذعر الإشاعات التي سرت ومفادها أن الإنجليز يهاجمون مع اليهود المواطنين الآمنين ويقتلونهم في بيوتهم. فرت عائلتنا مع جموع الفارين، وكان البحر وجهتنا، ومنه انتقلنا إلى بيروت، وقد استغرقت رحلتنا 14 ساعة، من العاشرة صباحاً حتى الثانية عشرة ليلاً.
وهناك في بيروت لم نقم في تجمعات اللاجئين لأن وضعنا المالي كان يسمح لنا باستئجار بيت وفرشة. استمرت إقامتنا في بيروت ثلاث سنوات استنفدنا خلالها كل مدخراتنا. واذكر أن مصروف البيت اليومي كان يصل آنذاك إلى ستين ليرة لبنانية، أي ما يعادل عشرة جنيهات فلسطينية».
ويضيف : « ولما لم نتمكن من إعادة بناء تجارتنا في بيروت، قرر والدي أن نعود إلى الضفة الغربية، لكن أخي محمود فضل البقاء هناك حيث كان تدبر أمره بالعمل في معمل لصناعة الأسكيمو، وانتقل للعيش في مخيم صبرا».
« عدنا إلى هنا، وسكنا في مخيم عسكر، حيث يقيم أقرباؤنا وجيراننا وواحدة من شقيقتي اللتين كانتا هاجرتا مع أسرتيهما ،كل إلى جهة مختلفة، الأولى على سوريا والثانية على نابلس، حيث أقامت هنا في مخيم عسكر للاجئين القريب من المدينة.
وهنا في مخيم عسكر لم يعد والدي يرغب في ممارسة أي نوع من العمل بسبب الاحباط الشديد الذي أصابه جراء فقدانه تجارته الكبيرة في يافا، فلزم البيت. أما أنا فبدأت أمارس أنواعاً مختلفة من العمل، إلى أن استقر بي الأمر في هذه البقالة الصغيرة، التي أعيل منها أسرتي».
ويمضي محمد أمين النابلسي «أبو أمين» قائلاً: « ولم يتوقف شتات أسرتنا عند هذا الحد، ففي العام 67، احتلت إسرائيل ما تبقى من فلسطين، وكان ابني البكر أمين يتعلم في كلية الشرطة في الأردن، ولما لم يتمكن من العودة ذهب إلى بيروت وعمل هناك مدرباً في كلية شرطية».
ويضيف: « تزوج أمين في الغربة وأنجب ولدين وبنتين، لم نرهم سوى مرتين في حياتنا، كانت الأولى قبل عشرين عاماً حينما عقدت العزم أنا والمرحومة والدته أن نذهب إلى بيروت لنراه وأسرته. وبعد سنين قليلة من ذلك توفيت والدته وهي تلهج باسمه».
وقبل سنوات كنت قد عقدت العزم على التوجه للديار الحجازية لأداء العمرة، فرتبت معه أن نلتقي في عمان، وكان هذا اللقاء الثاني لي به.
يفيض حديث أبو أمين حسرة وألماً وهو يتحدث عن شوقه لرؤية ابنه وأحفاده وشقيقه وأسرته في لبنان ، وشقيقته وأسرتها في لبنان. ويقول : أتابع أخبارهم من الناس وأفرح كثيراً عندما أسمع عن نجاحات أبنائهم وأفراحهم، وهم كذلك، وعندما تصلنا أخبارهم الطيبة يقفز قلبي من صدري وأحلم بيوم يجتمع فيه شملنا من جديد بعد هذه العقود الطويلة من الشتات.