لم تكن نكبة عام 1948 النكبة الوحيدة التي حلت بالشعب الفلسطيني على مدار سنوات نضاله الطويلة، بل تبتعها مأس ونكبات وكوارث من تشريد وتهجير وإبعاد عن الأرض والوطن.

في أزقة مخيم جنين تخرج اللاجئة الفلسطينية رقية محمد نجيب تبحث عن مأوى وبيت جديد يوفر لها ولأبنائها أبسط حقوقهم في الحياة الآمنة كباقي البشر، بعدما شردتهم قوات الاحتلال للمرة الثالثة في عملية (السور الواقي) العدوانية .

واكدت رقية على ان الاحتلال يتعمد تدمير كل شيء ولقد نجوت وأبنائي من الموت بإعجوبة لأن القذائف الإسرائيلية انفجرت على بعد عدة أمتار منا ورصاصها مر فوق رؤوسنا مما يؤكد على أنهم يريدون القضاء علينا والانتقام من كل فلسطيني ما دام لاجئا وينحدر من ذلك المخيم الذي حطم كبرياءهم وهزم قوتهم المتغطرسة .

فبعد شهر على نزوحها من منزلها الذي شيدته طوال سنوات العمر بالعرق والدم والتعب، تجد نفسها وأولادها الآن بلا مأوى. وتقول والدمع يغسل وجهها «هدمته صواريخ وقذائف الاحتلال الإسرائيلي بلمح البصر بثوان معدودة خلال هجومها على مخيم جنين الصمود».

إن عملية التشريد الثالثة التي فرضتها قوات الاحتلال على رقية والعشرات بل المئات من العائلات الفلسطينية ومن ضمنها عائلات تسكن في مخيم جنين تجسدت في قول اللاجئة رقية «لم نكد نستقر في المنزل الجديد.

وبينما كانت كوابيس القصف والصواريخ تقتحم أحلامنا وتنغص حياتنا وتحرمنا طعم النوم والحياة، استيقظنا في تلك الليلة على أزيز الرصاص يقتحم جميع أنحاءالمنزل». وتتابع «في البداية اعتقدت أنه حلم الاحتلال المزعج الذي يلاحقنا كل ليلة.

ولكن هز البيت انفجار شديد فأدركت أنها حقيقة وأن هناك هجوما إسرائيليا فزحفت وأطفالي نحو غرفة المطبخ الداخلية وسط صرخاتهم وحالة ذعر شديد، فالرصاص اندفع داخل منزلنا كالمطر من كافة الاتجاهات، واخترق النوافذ والأبواب ثم سقطت ثلاث قذائف على بوابة المنزل واخترقت جدار غرفة النوم والمدخل الرئيسي».

ووسط الذعر والخوف احتمى أبناء رقية في زاوية غرفة الضيافة والأمل يحدوهم كما تقول بأن تقيهم الجدران من شظايا القذائف ورصاص الموت والحقد ولكن الرصاص مر بيننا فبدأنا نصرخ أوقفوا إطلاق النار هناك أطفال ونساء ولمحت من فتحة الباب تحرك الجنود قرب درج المنزل.

ولكن دون جدوى فالجنود القتلة لا يهتمون لصرخاتنا، فحدثتني نفسي أن الجنود قادمون لقتل الذين نجوا من مجزرة المخيم فشعرت بخوف وقلق شديد على أسرتي خاصة عندما شاهدت حالة التوتر والقلق والخوف التي بدت على ابنتي والتي فقدت القدرة خلال ذلك على الكلام .

في ذلك الوقت لم يأت في مخيلة رقية إلا ما رأته من مجزرة مخيم جنين، القتل والدمار والذعر والخوف صراع مع النفس للتحدي والبقاء على قيد الحياة لتكون الشاهد.

وتجسد الأسطورة النضالية الفلسطينية فكل الصور المأساوية ومناظر القتل والدمار التي وقعت قبل أيام في مخيم جنين مرت كشريط سينمائي سريع في مخيلة الأم التي صرخت من أعماقها حتى لا تتكرر المجزرة فجعلتها تقف وتتحدى رصاص الجنود وقصفهم وتندفع بسرعة نحو البوابة وتقف بتحد أمام الجنود لتفدي أبناءها وتمنع المجزرة .