يحيي الشعب الفلسطيني اليوم الخامس عشر من مايو الذكرى الـ 58لنكبة العرب باغتصاب فلسطين ،التي تسببت في اكبر جريمة في التاريخ الحديث ، وهي جريمة اقتلاع شعب من ارضه وتهجيره من دياره عام 1948 على أيدي عصابات الصهاينة الذين يسعون منذ ذلك الوقت الى محاولة محو ذاكرة هذا الشعب واسقاط حق اللاجئين في العودة الى ديارهم ، متسلحين بدعم سياسي وعسكري ومالي من الغرب والصهيونية العالمية.

من هنا فإن قضية اللاجئين تعد الوجه الحقيقي للنكبة ، التي افرزت بالاضافة الى هذه الجريمة الكثير من الجرائم الاخرى ضد الشعب الفلسطيني ،وواقعا اليما وعذابات كثيرة لايزال يتجرع كأسها الفلسطينيون.

وأوضحت دراسة اعدها الباحث في سيسيولوجيا اللاجئين في الضفة الغربية انور حمام، المراحل المتعاقبة لنشوء المخيم واثرة في الحياة الفلسطينية على مختلف الصعد السياسية والنضالية والاقتصادية والايدلوجية.

وقال ان تسمية المخيم جاء مقابل التقسيمات التقليدية للبشر المنقسمين بين ريف وحضر وبدو، حيث تلعب في عملية التمييز بين هذه الأصناف الثلاثة : وسائل الانتاج وقواه والعلاقات الاجتماعية الناشئة عنه والروابط القرابية، وتقسيم العمل، والكثافة السكانية، والثقافة وغيرها من محددات الأصل الاجتماعي، في حين يبرز المخيم كتجمع مفروض على اللاجئين الذين ليس لهم الحق في اختياره أو تحديد موقعه.

وهو شكل يمثل خروجا عن التقسيم المتبع للتمييز بين البشر،وبهذا المعنى فالمخيم هو الوحدة الجغرافية - الاجتماعية الجديدة أوالوسط المحدث بعد العام 1948 أي بعد وجود اللاجئين فيه ليصبح اطارا للعلاقات الاجتماعية لعدد كبير من الفلسطينيين اللاجئين الذين ينحدرون في غالبيتهم من أصول قروية من دون أي تمايزات طبقية بينهم لأن النكبة كحدث تاريخي ساوى بينهم بالفقر، وأيضا لا يمكن النظر للمخيم كوحدة انتاجية، حيث تم فصل اللاجئين عن وسائل انتاجهم التقليدية المتمثلة في ( الأرض ).

وسجل الباحث حمام المحطات الكبرى في حياة المخيم وتقسيماته التاريخية،مؤكدا على ان هذه التقسيمات التاريخية لا يمكن النظر لها كحدود فاصلة وكقطيعة ما بين المراحل ،ولكنها تأتي كاستحقاق منهجي من أجل مزيد من الفهم للأوضاع والتطورات التي عاشها المخيم منذ العام 1948.

وبدأ بمرحلة العزلة معتبرا في هذه المرحلة المبكرة من عمر اللجوء الفلسطيني والديمغرافيا الفلسطينية شكلت الخيمة عنوانا شديد البروز تختلط فيه الرؤى والمواقف والنظرات حول اللاجئ فهو الهارب الجبان والمطرود المشرد ، وهوالبائع للأرض والمجتث والمقتلع منها وهو النتيجة والسبب في آن.

ولكن من دون أدنى شك وقع تحميل اللاجئ في هذه المرحلة مسؤولية تركه للأرض جهلا أو عمدا، من دون النظر بشكل جدي للأسباب التي أودت به الى هذا المصير، وتم اعتبار اللاجئ منبوذاً من قبل المحيط الذي تم اللجوء اليه.

واضاف انه في هذه المرحلة التاريخية عاش اللاجئ داخل المخيم عزلة على نحو قاس جداً، وتعمقت الفجوة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والصحية بين المخيم ومحيطه الحضري والريفي، وتعود هذه العزلة الى الاختلافات الثقافية والاجتماعية وقوة الدعاية الصهيونية التي لم تلق رواية مقابلة تدفع عن اللاجئ بعض ما ألصق به.

وأيضا شكل المخيم بشكله وتكويناته وظروف نشأته، عاملا مساعدا لهذه العزلة، وزاد من حدة هذه العزلة أحاسيس اللاجئين أنفسهم الذين دائما ما شعروا بالذنب والخجل والعار، نتيجة لفقدانهم الأرض والتي هي المحدد الأساسي للمكانة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية في مجتمعاتهم التقليدية.

واستنتج ان كل ذلك ولد خوفاً من اقامة العلاقات مع المحيط الاجتماعي الذي هو بالأساس حذر وخاضع لأفكار مسبقة عنهم وعن لجوئهم، اضافة الى أن مجتمعات اللجوء وجدت في هؤلاء اللاجئين كمصادر لعدم الاستقرار،الأمر الذي دفع نحو ابداع أشكال مرعبة من الاضطهاد السياسي الذي مورس بحق اللاجئين.

وفي نهايات هذه الحقبة التاريخية بدأت تتشكل الهياكل والقوى الفلسطينية المقاومة والتي كان مجالها الحيوي أوساط اللاجئين أنفسهم والذين لديهم كل مقومات الانخراط في صفوف العمل المقاوم.

اما المرحلة الثانية فهي النكسة، وهي تقع في فترة هزيمة 1967 وما تبعها من التهام اسرائيل لمزيد من الأرض العربية وتحديد الجولان وسيناء والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وتحويل أعداد جديدة الى صفوف اللاجئين.

واشار الى ان ذلك أحدث تغيرا في الوعي حيث ثابر اللاجئون من أجل فك العزلة التي أحاطت بهم كجماعة، وقد أدركت المحيطات الاجتماعية التي تحيط بالمخيمات حقيقة الظلم التاريخي الذي لحق باللاجئين عام 48 عبر ممارستهم هم أنفسهم كيفية أن يكونوا ضحايا لنفس الاحتلال.

وبالتالي بدأت مقولات الهرب وبيع الأرض تفقد معناها، وأصبح اللاجئون بعد كسر حلقة من حلقات عزلتهم أكثر ثقة بالمستقبل وانهار حاجز الخوف، وتدعم ذلك بخطوات جريئة نحو التعليم كاستراتيجية تعويضية لمؤسسة الأرض وكمصدر للرزق والكسب.

والذي يعكس وعيا بضرورة ادماج المعرفة في اطار الصراع والتعاطي معها كمقاومة، وربما مثلت المعرفة نوعا من رد الفعل ضد الجهل الذي كان من أسباب نكبتهم، وبالتالي أصبح التعليم حسب تعبير دافيد شبلررزق منقولا لا يمكن انتزاع ملكيته.

وعن الجانب الاقتصادي نوه الباحث حمام، الى ان اللاجئين شكلوا ما يشبه جيشا من العاطلين عن العمل، ولكن مع تنامي حركة التعليم وفتح أسواق للعمل أمامهم نتيجة النمو الاقتصادي الذي عاشته المنطقة أواخر الستينات وبداية السبعينات، بحيث أصبح الخليج العربي مركز جذب لليد العاملة والكفاءات الامر الذي دفع أعدادا كبيرة من أبناء اللاجئين الحاصلين على تعليم متوسط للذهاب والعمل في مراكز الجذب الجديدة.

مما ساهم بتحسن نسبي لبيئة المخيم عبر التحويلات النقدية التي كان يرسلها العاملون لعائلاتهم، وأيضا شكلت سوق العمل الاسرئيلية مركز جذب لليد العاملة الفلسطينية في الأراضي المحتلة وعلى رأسها جيش العاطلين عن العمل في المخيمات.

وذكر الباحث حمام انه في خلال هذه المرحلة ظهرت ديناميكية داخلية لم يسبق لها مثيل، بانطلاق منظمة التحرير الفلسطينية، وتشكل حركات المقاومة الفلسطينية وخوض سلسلة من المواجهات العسكرية مع اسرائيل كمعركة الكرامة، والعمل الفدائي الذي أصبح ظاهرة يومية.

ولا يمكن النظر للمقاومة الا كحركة ناشئة على يد فئة لاجئة متعلمة من نفس المنشأ الاجتماعي الذي كان اطاره العام المنفى واللجوء، وتمكنت هذه الفئة من فهم الواقع وتحليله وتفهم الطموحات الشعبية، ومن هنا كان الالتفاف حول منظمة التحرير كحاملة للمشروع الوطني الفلسطيني وكقوة منظمة.

وقد انخرط في هذا الفعل المنظم الجيل الجديد من أبناء المخيمات والذين يمكن القول عنهم بأنهم أكثر راديكالية من جيل ( النكبة ) الذي يميل للتقليد والمحافظة من الناحية السياسية، وتطور الوعي والانتماء السياسي وظهرت مقولات العمل السري، وعلى رأس الجيل الجديد يتقدم طلبة الجامعات كفئة نيرة.

ويرى الباحث ان التطور النضالي النوعي لمجتمع اللاجئين شكل قلقاً لإسرائيل التي بدأت تتحسس الخطر القادم من المخيم كوحدة سكانية نضالية، ومن هنا جاءت الكثير من الأفكار والمشاريع الاسرائيلية الداعية الى توطين اللاجئين للقضاء على المخيم كوحدة للوجود، يحمل في طياته بذور الفعل المقاوم،.

والذي حمل وحمى المقاومة في محطاتها الأساسية في كل من الأردن ولبنان، وشارك كعنصر أساسي في كل معارك الدفاع عن الثورة الفلسطينية، حيث تلقت المخيمات ضربات مؤلمة وفي كثير من الأحيان كارثية كما حدث في مخيمي صبر وشاتيلا ونهر البارد والبداوي.

واعتبر الباحث ان المرحلة الثالثة كانت من انتفاضة المخيمات الى الانتفاضة الشعبية الاولى عام 1987. وجاء في بحثه ان قراءة تاريخية وعلى نحو معمق تدفعنا قسرا للميل نحو الاعتقاد أن الانتفاضة تلك ما هي الا اعادة انتاج لانتفاضة المخيمات.

ولكن بتعميمها كظاهرة معيشية شاملة على امتداد فلسطين المحتلة، فقد مهدت الانتفاضات الصغيرة التي عاشتها المخيمات في الضفة وغزة وخصوصا انتفاضة 30 مارس 76 ،وانتفاضات التي انطلقت كردة فعل على حرب 82 وحصار بيروت وطرابلس ،واجتثاث المقاومة ونقل مقرها للعاصمة التونسية.

ومجازر صبرا وشاتيلا وما تبعها من تشكل لهياكل تنظيمية داخل المخيمات بشكل مثير وخلاق، وهذه الهياكل بدأت تعمل على تنظيم الحياة داخل المخيمات وتتصدى للاحتلال، وبدأت المخيمات تعرف بشكل مبكر (الاضراب العام والجزئي) ومحاربة المظاهر السلبية، وتشكل القوات الضاربة تحت مسميات( أجهزة الردع).

ويمكن القول ان انتفاضة المخيمات الممهدة لانتفاضة عام 87 كانت بمثابة رد حاسم ومناقض للاحتلال الذي يهدف الى طمس الانتماء والهوية العربية في فلسطين، بالتالي فالهوية العربية هي التي حافظت وتحافظ على الكيان الجماعي في فلسطين لا العكس.

ونوهت الدراسة الى ان المخيمات لعبت دورا مركزيا فى حلول الانتفاضة عام 87 وشكل مخطط كسر المخيمات ضمن السياسات الاسرائيلية المحطة الأولى نحو كسر الانتفاضة ووأدها وبالتالي دفعت المخيمات ثمنا باهظا من الشهداء والجرحى والمعتقلين،.

وما رافقها من مساس بكل جوانب الحياة الاقتصادية والسكنية والصحية والثقافية والعلاقات بين الأب والأم والأبناء والعلاقات التنظيمية بين القوى الفاعلة، والأدوار داخل الهياكل الاجتماعية المختلفة، وأيضا مست التغيرات العديد من المفاهيم والقيم، وأصبح هناك رأسمال جديد يحدد المكانة الاجتماعية داخل المخيم وهو رأس المال النضالي.