الكل لديه حلول لوقف الفوضى في العراق، من البيت الأبيض إلى البنتاغون، إلى الخارجية الأميركية والمفكرين الأكاديميين، من دون أن ننسى طوابير ما يطلق عليهم بالخبراء الذين يظهرون على مختلف شبكات التلفزة، والجميع يمسكون بالمفتاح السحري لصندوق العجائب، أو للمشاكل التي سببها الاجتياح الأميركي للعراق قبل أكثر من ثلاث سنوات.

ولكن الفوضى تتفاقم، ويتكرر انفجار القنابل وحوادث القتل، والمذابح الطائفية بشكل يومي، ومن اللافت أن لا أحد يريد أن يتفوه بثلاث كلمات هي:الحرب الأهلية والتقسيم.

يقترح السناتور جوزف بايدن، العضو الديمقراطي البارز في لجنة الشؤون الخارجية في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز إحياء معاهدة سايكس بيكو عبر تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق: كردية في الشمال وشيعية في الجنوب ودولة سنية في الوسط.. مع حكومة مركزية في بغداد.

ويعتقد بايدن بأن تقسيم العراق سوف يؤدي إلى تقويته » لأن ذلك سوف يحافظ على وحدة العراق عبر نظام اللامركزية، ويمنح كل مجموعة إثنية دينية.. كالأكراد والسنة والشيعة العرب.. مجالا كي يدبروا شؤونهم بأنفسهم، وتكليف الحكومة المركزية مسؤولية الحفاظ على المصالح المشتركة«.

لكن هل كلف أحد نفسه عناء سؤال العراقيين أو حتى جيرانهم المباشرين، رأيهم في مثل هذا الاقتراح؟ إن هؤلاء سوف يكونوا الأكثر تأثرا بأي قرارات رئيسية تتخذ حول العراق. ألم تتعلم القوى الغربية بأن أي حلول لمشاكل إقليمية لا يمكن فرضها من الخارج، ويتعين التوصل إليها عبر اتفاق الأطراف المعنية؟ أو إنه يتملكنا حنين إلى »الأيام الجميلة الماضية« للاستعمار عندما كانت القوى الغربية هي التي تقرر ما هو الأفضل للعالم؟. علينا العودة إلى كتب التاريخ لإنعاش ذاكرتنا خشية أن ننسى القرارات الخاطئة التي اتخذها الاستعمار.

إذا عدنا إلى اقتراح بايدن حول الأكراد نلاحظ بأن الدستور العراقي الجديد يسمح بقيام مناطق ذات حكم ذاتي، وكان هذا السبب بالذات الذي جعل السنة العراقيين يعارضونه ويطالبون بإعادة النظر فيه. يعارض السنة العرب أكثر من الشيعة والأكراد تقسيم العراق، ليس حبا بهاتين المجموعتين العرقيتين، بل لأنهم( أي السنة) سوف يكونون أكبر المتضررين إذا تم ذلك، نظرا إلى أن الشيعة والأكراد يملكون النفط دون سواهم. وإذا تم تقسيم العراق فإن السنة العرب سوف يجدون أنفسهم في عجز مالي.

على المرء ألا يغفل ما يحدث في دول الجوار مثل المملكة العربية السعودية والكويت والأردن، وتركيا. لا تعارض الكويت، التي لا تزال ذكرى الاجتياح العراقي ماثلة في أذهان شعبها، إضعاف العراق، لكن لا السعودية ولا الأردن يريدان رؤية السنة العرب في موقف غير ملائم من الناحيتين المالية والإقليمية.

في هذه الأثناء يظل ملكا السعودية والأردن لاعبين أسياسيين في المنطقة. لنفترض بأنه جرى تقسيم العراق إلى كانتونات فماذا سيكون مصير حوالي مليون شيعي يقيمون في بغداد؟ وماذا لو سقطت المدينة في يد السنة؟ أسئلة طرحها فيبي مار العضو في معهد السلام الأميركي، والمؤرخ البارز عن العراق الحديث، والذي عاد للتو من اجتماع عقده مع كبار القادة العراقيين. هذه اسئلة من بين أخرى كثيرة حول ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع هناك.

إن تقسيم العراق إلى كانتونات سوف يعطي الشيعة صلاحيات أوسع من تلك التي حصلوا عليها حتى الآن، هذا حتى لا نذكر إيران التي سوف يزداد نفوذها بشكل أكبر عن ذي قبل في هذا البلد، الأمر الذي تخشاه السعودية لأن الكثير من نفطها موجود في المنطقة الشرقية التي يسكنها الشيعة، وهي تخشى أن تراودهم أفكار مثيرة للقلق.. أما تركيا، فلا يمكن وصفها بأنها دولة ثانوية في هذه اللعبة المعقدة..

والأرجح بأن أنقرة لن تقف مكتوفة الأيدي وتسمح بقيام دولة كردية في العراق تشكل حافزا لمواطنيها الأكراد، الذين يقدر عددهم بنحو 20 في المئة من عدد السكان أو حوالي 14 مليونا، على القيام بتحرك مماثل. كذلك فإن سوريا لن تكون راضية عن قيام دولة كردية مستقلة على حدودها تكون قريبة من الأماكن التي تقيم فيها أقلية كردية داخل حدودها.