بدا مبنى وزارة الخارجية الفلسطينية في رام الله كأنه روضة اطفال: عشرات الأمهات من الموظفات جلبن أطفالهن في عرباتهن الى مقر الوزارة بعد ان عجزن عن دفع رسوم التحاقهم برياض الأطفال في المدينة بسبب عدم حصولهن على رواتبهن منذ شهرين.

عملية الاحتجاج الاستعراضية هذه التي اتخذتها موظفات وزارة الخارجية ليست سوى احد تعبيرات أزمة اجتماعية بدأت تتفاقم في الأراضي الفلسطينية جراء الحصار الاسرائيلي الغربي المفروض على حكومة حركة حماس.

وذكر مسؤولون حكوميون ان كثيرا من موظفي الوزارات حصلوا على اجازات مفتوحة من عملهم لعدم قدرتهم على دفع تكاليف الوصول الى مكاتبهم ووزارتهم.

وقد دعت لجنة شكلت من موظفي السلطة الى اضراب عن العمل لمدة ساعتين نهار اليوم السبت هو الأول من نوعه للاحتجاج على عدم تلقي الرواتب.

وحذر وزير الصحة الدكتور باسم نعيم من انهيار القطاع الصحي الحكومي في غضون شهرين اذا لم تصل المساعدات الى هذا القطاع واذا لم يتلق العاملون فيه من أطباء وممرضين وغيرهما أجورهم. وقال نعيم: «الموظفون لدينا يعملون على مدار الساعة، واذا لم يتوفر لهم الدخل فإن الخدمات الصحية بأكملها ستنهار».

وكشف نعيم لـ «البيان» عن وفاة أربعة من مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة الشهر الماضي جراء نقص الدواء. وقال: «لقد خفضنا عدد جلسات غسل الكلى من ثلاث جلسات الى جلستين بسبب نقص الأدوية، وهذا تسبب في وفاة أربعة من المرضى محذرا من مزيد من التدهور اذا استمر نقص الدواء.

وتبلغ المصاريف الجارية لوزارة الصحة5,4ملايين دولار فيما تبلغ قيمة رواتب موظفي الوزارة حوالي خمسة ملايين دولار. وقال نعيم: «ميزانية الوزارة قريبة من الصفر، ونحن نعمل في الأدوية المتوفرة في المخازن وفي بعض الادوية التي وصلتنا كمساعدات من الأردن».

واستنفد موظفو السلطة الذين يعيلون ربع سكان الأراضي الفلسطينية مدخراتهم المتواضعة في الشهرين الأخيرين، ولجأ بعضهم الى سحب ضعف قيمة رابته من البنوك كقروض لحين تسلم الرواتب. واعلنت البنوك اخيرا عن وقف منح أي نوع من القروض والحب الاضافي لموظفي السلطة البالغ عددهم 165 ألفاً.

وقد لجأت حكومة «حماس» إلى مختلف الوسائل والاساليب لتوفير الرواتب لموظفيها لكن معارضة الولايات المتحدة التي تشترط لقاء ذلك اعتراف الحكومة بشروط اللجنة الرباعية الثلاثة وفي مقدمتها الاعتراف باسرائيل، حال دون ذلك.

فقد عرضت الحكومة تحويل المساعدات الخارجية الى مكتب الرئيس محمود عباس بدلا من وزارة المالية، ثم عرضت تحويل الرواتب مباشرة من الجامعة العربية الى الحسابات الشخصية للموظفين.

ووافقت كذلك على دفع الرواتب عبر البنك الدولي او عبر اية جهة أخرى، لكن أي من هذه الاقتراحات لم تحظ بقبول الادارة الأميركية التي لا تخفي سياستها المتمثلة في ممارسة ضغوط مالية وسياسية على الحكومة للاعتراف باسرائيل والاتفاقات الموقعة معها والاعلان عن نبذ العنف. وقال الناطق باسم الحكومة الفلسطينية غازي حمد: «لقد طرقنا مختلف الأبواب لكن الادارة الأميركية اغلقت كل باب فتحناه».

وذكر وزير المالية السابق الدكتور سلام فياض ان المساعدات الخارجية للسلطة بلغت مليار دولار سنويا، وانها ارتفعت العام الماضي الى أكثر من مليار وربع المليار. وما زاد من حجم الأزمة المالية للحكومة الجديدة توقف اسرائيل عن تحويل الجمارك والضرائب للسلطة وقيمتها حوالي 60 مليون دولار شهريا.

وقد حذرت تقارير أخيرة صدرت عن مكتب الأمم المتحدة في الاراضي الفلسطينية من حدوث تدهور اجتماعي خطير في حال توقفت المساعدات الخارجية لميزانية الحكومة. وتوقع تقرير صدر عن منسق الشؤون الانسانية للامم المتحدة انهيار القطاع الصحي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والجريمة.

رام الله ـ محمد إبراهيم: