أجبرت تهديدات الجماعات المسلحة آلاف الأسر العراقية على ترك ديارها والنزوح بعيدا في مناطق آمنة هربا من القتل بعد تصاعد أعمال العنف في البلاد على خلفية الانفجار المدمر الذي استهدف ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء في فبراير الماضي.
وبحسب إحصائية حكومية عراقية فإن نحو 13 ألفا و750 عائلة عراقية غالبيتها من الشيعة اضطرتها قسوة التهجير القسري لترك ديارها على وقع تهديدات »الإرهابيين« في مناطق أبو غريب والحصوة والدورة والعامرية وسامراء والفلوجة وسبع البور واللطيفية والنهروان والمدائن ومناطق أخرى والإقامة في مخيمات وأبنية مهجورة كانت في وقت سابق ثكنات للجيش العراقي في زمن الرئيس السابق صدام حسين.
وتشير التقارير إلى أن أكبر المدن التي شهدت زيادة في عدد المهجرين هي العاصمة بغداد تليها البصرة والنجف وكربلاء. ولا تبدو الإحصائيات التي أعلنتها وزارة الهجرة والمهجرين العراقية حول أعداد الأسر النازحة دقيقة ذلك لأن العشرات من الأسر لجأت إلى منازل أقارب لهم أو من استقر منهم للعيش في أحياء أكثر أمنا أو من غادر البلاد إلى دول الجوار بحثا عن ملاذ آمن.
واتسعت أعمال التهجير في العراق بعد الانفجار المدمر الذي ضرب ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في الثاني والعشرين من فبراير الماضي مما أثار موجة عنف دامية كان أحد أشكالها هجرة آلاف الأسر من ديارها بعد تلقيها تهديدات من أطراف مسلحة كتبت على أوراق مكتوبة باليد أو الآلة الطابعة تطلب من صاحب المنزل المغادرة فورا وترك كل شيء في البيت من أثاث ومقتنيات وإلا تعرض للقتل.
وسارعت أحزاب دينية ومنظمات الهلال الأحمر وأخرى جماهيرية وجهات حكومية إلى احتضان الأسر المهجرة وإقامة معسكرات ومخيمات للاجئين تم تجهيزها بمستلزمات بسيطة لإيواء النازحين فيما اضطرت ظروف الآخرين للسكن في ثكنات مهجورة للجيش العراقي السابق وتم توزيع بطانيات ومؤن غذائية وأجهزة طبخ ومستلزمات أخرى عليهم. وخصصت الحكومة العراقية ملايين الدولارات لتوزيعها على الأسر لتمكنها من العيش بأمان.
ولا يبدو وضع الأسر المهجرة مريحا نظرا لعدم توفر مستلزمات العيش المستقر فضلا عن اتساع ظاهرة البطالة بعد أن أغلق العشرات منهم متاجرهم وورش أعمالهم الحرة وتسرب الأطفال من المدارس مما اضطرهم لتنظيم مظاهرات للمطالبة بوضع حد لمعاناتهم وإعادتهم إلى منازلهم أو توفير سكن لائق خاصة أن الصيف على الأبواب حيث ترتفع درجات الحرارة في بعض الأشهر إلى ما فوق 50 درجة مئوية.
ولا يرى العديد من العراقيين في هذه الظاهرة أنها حرب أهلية بل توصف بأنها »حرب بين أبناء الشعب وعصابات من اللصوص والموالين والمستفيدين من نظام صدام البائد«.
وقال مسؤول عراقي »إن اتساع أعمال التهجير تقف وراءها أطراف إرهابية وأن ما يجري هو ليس تناحرا طائفيا أو صراعا مذهبيا لأن العلاقات الحميمة بين الأسر العراقية يصعب اختراقها«.
وأضاف مازن الشيخ رئيس لجنة الهجرة والمهجرين في مجلس مدينة بغداد: »خاطبنا مكتب الأمم المتحدة ومنظمة الإغاثة الدولية للمساعدة في حل أزمة المهجرين«.
وقالت الحاجة أم محمد وهي من سكان مخيم أقيم في حي الشعلة غربي بغداد: »تركنا منازلنا في منطقة الحصوة القريبة من أبو غريب بعد ورود تهديدات شديدة اللهجة كتبت على أوراق تطالبنا بالمغادرة فورا وإلا سيكون مصيركم القتل«.
وأضافت: »كان خيارنا المغادرة وترك كل أثاث المنزل ونحن منذ ثلاثة أشهر نعيش وسط هذا المخيم في ظروف صعبة للغاية ومصير مجهول«. وقال ذياب فرحان: »طلبت من أفراد أسرتي المكونة من 12 شخصا المغادرة فورا بعد أن تلقينا أوراق التهديد حفاظا على أرواحهم«.
وأضاف مهدي صادق ( 58 عاما) وهو مزارع: »غادرت منزلي في أبو غريب بعد أن أمضيت فيه أكثر من 35 عاما ولجأت إلى هذا المكان بحثا عن الأمان.. تركنا أراضينا الزراعية وهناك آخرون ذهبوا إلى أماكن في مدن الكوت والناصرية والديوانية للسكن بالقرب من أقاربهم وأهاليهم«.
وسخر سليم محمد (47 عاما) وهو متقاعد من دعوات الرئيس العراقي جلال طالباني للدخول في مفاوضات مع المسلحين قائلا »ليشاهد طالباني ماذا فعل بنا المسلحون والظروف القاسية التي نعيشها الآن«.