أهدت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لنظيرها الجزائري محمد بجاوي نسخة من وثيقة تاريخية تعود لعام 1795 حين كان على رأس الولايات المتحدة مؤسسها ورئيسها الأول جورج واشنطن.

الوثيقة عبارة عن معاهدة صداقة بين البلدين هي الأولى التي تبرمها الولايات المتحدة الفتية وقتها مع طرف خارجي.وقد قدّر بجاوي هذا الموقف ورد في تصريح لاحق بأن هذه الصداقة حملت الولايات المتحدة إلى الصف الأول ضمن المتعاملين مع الجزائر .

واحتلت بذلك المكان الذي شغلته فرنسا منذ عام 1962 تاريخ تأسيس الجمهورية الجزائرية الحديثة على أنقاض المستعمرة الاستيطانية الفرنسية. إلى هذا الحد المسألة عادية وحدث للكثيرين أن تحصلوا على وثائق تاريخية نادرة.

لكن الأهم في الأمر أن تصرف رايس جاء بعد يوم واحد من صفعة تلقاها وزير خارجية فرنسا فيليب دوست بلازي حين أعلمه بجاوي نفسه رسمياً بأن الجزائر غير مستعدة لتوقيع معاهدة صداقة مع فرنسا لأن المجتمع الفرنسي غير مهيأ لمثل هذا المشروع.

في إشارة إلى إصدار البرلمان الفرنسي قانونا في فبراير 2005 يمجد الاستعمار ويعتبر خونة الجزائر أبطالاً. وعلى النقيض من ذلك كان بجاوي منسجما جدا مع المنحى التصاعدي الذي تشهده العلاقات بين بلاده والولايات المتحدة.

وأكد على تعزيز التعاون مع أن خلافات كثيرة لا تزال قائمة بين سياسة كل من واشنطن والجزائر حيال عديد القضايا الدولية في الشرق الأوسط وإفريقيا والعراق وإيران وغيرها كما أن الجزائر دعت باستمرار إلى التخلي عن سلاح التجويع والمقاطعة الذي تنتهجه واشنطن للتضييق على الأنظمة التي تعارضها وإسقاطها.

وفسر المتتبعون في الجزائر وواشنطن كما في باريس إهداء رايس نسخة من اتفاقية الصداقة بين البلدين والتصريحات المشتركة التي أعقبت ذلك، بأنه مشروع لإحياء تلك الصداقة في الحاضر والمستقبل وتوظيفها في إعادة ترتيب كثير من الأمور في المغرب العربي وإفريقيا .

وحوض البحر الأبيض المتوسط في المجالات السياسية والاستراتيجية، وهي بحسب المراقبين الخطوة التي تبعد نهائيا النفوذ الفرنسي ليس في الجزائر فقط ولكن في تلك المنطقة برمتها.

فكوندوليزا رايس، هذه المرأة الذكية المتفوقة حتى حين كانت طالبة في المدرسة تعرف التاريخ بالتأكيد وحضرت زيارة بجاوي من جميع جوانبها، وهي إذن حين سلمت تلك الوثيقة تدرك بالتأكيد أن الجزائر كانت تملك نسخة منها على اعتبار أن توقيع المعاهدات يتم على نسختين أو بعدد الأطراف التي تعنيها.

لكن الاستعمار الفرنسي أخذ أرشيف الجزائر وجعل منه أرشيفه الشخصي على اعتبار أن الجزائر كانت »فرنسية«، بحسب القاموس الفرنسي، كونها كانت البوابة التي دخلت منها فرنسا الاستعمارية للقارة الإفريقية عام 1830.

كما كانت أيضا الباب الأخير الذي خرجت منه من القارة الإفريقية عام 1962، والجزائر صارت بعد الاستقلال لا تملك نسختها من معاهدة الصداقة مع الولايات المتحدة وها هي اليوم تسترجعها من يد أميركية.

وهذه رسالة كافية تحمل إدانة للماضي الاستعماري لفرنسا الذي لا يزال قسم مهم من الطبقة السياسية الفرنسية متشبثاً به ويعتبره مجداً يلقن في شكل دروس للأجيال الجديدة.

وعبر بجاوي في محادثاته مع رايس ومع مسؤولين آخرين منهم مدير وكالة الاستخبارات الأميركية بأن العلاقات بين بلاده وواشنطن قوية وممتازة وستكون أقوى مستقبلا لكنه في الوقت نفسه شرح اختيارات الجزائر فيما يتصل بسياستها الخارجية المبنية على استقلال القرار.

وذكّرت حادثة تسليم الجزائر نسخة من الاتفاقية بحادثة أخرى مشابهة وقعت حين زار الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد واشنطن في بداية الثمانينات وكانت أول زيارة رسمية لرئيس جزائري لأميركا.

وقتها قال الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغن لضيفه »إن الولايات المتحدة لن تنسى أبداً أن الجزائر كانت أول بلد اعترف بها مباشرة بعد تأسيسها ووقع معها اتفاقية مازلنا نحتفظ بها، وفي الولايات المتحدة يا سيدي الرئيس توجد بلدة القادر التي تحمل اسم بطلكم الأمير عبد القادر«.