رغم النفي الدائم للرئيس الأميركي جورج بوش، إلا أن الأرقام واضحة: 900 قتيل في حوادث عنف طائفي خلال شهر واحد في العراق يعني أن حرباً أهلية تدور رحاها في هذا البلد.
وفي العراق 25 مليون نسمة، وإذا قيست النسبة بالولايات المتحدة، فهذا يعني وقوع 11 ألف قتيل أميركي في حوادث شغب واقتتال مذهبي وصراعات دينية في شهر واحد.
وبالمقارنة، فخلال 30عاما من الصراع الديني في أيرلندا الشمالية من العام 1968 حتى العام 1998، قتل 3600 شخص في بلد يبلغ عدد سكانه مليونا ونصف المليون نسمة.
وبالمقارنة أيضاً فهذا يعني وقوع أكثر من 60ألف شخص في العراق خلال 30 عاماً أو ألفي شخص سنوياً. لكن إذا استمر عدد الضحايا الذين يسقطون في العراق شهرياً على هذه النسبة ولا يتفاقم الوضع أكثر.
فهذا يعني أن 10800عراقي سيقتلون خلال العام الحالي. وهذه النسبة ستكون أكبر بخمس مرات من النسبة التي وقعت في أيرلندا الشمالية.
ومعدل القتل في العراق أصبح بالسوء نفسه الذي شهدته الحرب الأهلية اللبنانية بين العامين 1975 و 1991 حيث قتل ما بين 150 ألفا و 200 ألف شخص في السنوات الـ 16.
وقد تكون هذه المقارنات مضللة لأنه في تلك الصراعات كما في جميع الحروب الأهلية تقريباً، فإن معدل القتل ليس موحداً بل يتصاعد ويتراجع خلال مراحل معينة.
لكن هذه المقارنات تحمل إيحاءات من ناحية أخرى لسوء الحظ - ما أن يبدأ الصراع بين المجموعات الدينية المتنازعة التي عاشت في بلد واحد لقرون طويلة، فمن الصعب أن تنتهي قبل عقود أو قبل أن يقتل مئات الآلاف من الأشخاص كما كانت الحال في لبنان.
والحادثة التي كانت مفتاح انطلاق الشرارة كانت تفجير المسجد المذهب في سامراء في 22 فبراير الماضي على يد مسلحين من السنة. لكن السبب الحقيقي في الرد الشيعي كان على ما يبدو النتائج التي تحققت في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 15 ديسمبر الماضي والتي توقعت إدارة الرئيس بوش ووسائلها الإعلامية أنها ستأخذ المعركة بعيداً عن حالة التمرد السني.
وعوضاً عن ذلك، كانت النتائج عكس ذلك تماماَ: فقد أوصلت المجموعات السياسية الشيعية المدعومة من إيران وقواتها العسكرية (الميليشيات) القوية إلى قلب السلطة في بغداد.
فبالنسبة لرئيس الوزراء إبراهيم الجعفري ونتيجة للانتخابات، كان عليه الاتكال على مقتدى الصدر زعيم ميليشيا جيش المهدي كحليف رئيسي داخل الطائفة الشيعية.
وعوض أن تتحول إلى قوة حقيقية حليفة للقوات الأميركية وسياساتها في العراق، فإن الحكومة العراقية الحالية بدأت تنفصل عنها وبشكل سريع وخطير.
وتبدو الولايات المتحدة في الوقت نفسه وهي تفقد سيطرتها على الجيش العراقي الجديد والشرطة العراقية التي استثمرت الكثير من الوقت على تدريبهما.
ونتيجة للغضب الذي تشعر به نتيجة المذابح التي يتعرّض لها عناصرهما على يد المتمردين السنة، يبدو أن الجيش والشرطة العراقية ينحازان بشكل كبير أو أن ولاء العديد من فرقها أصبح لصالح الميليشيات الشيعية.
ونتيجة لذلك بالطبع، كانت تقوية نفوذ المتمردين السنة داخل الجالية السنية المؤلفة من خمسة ملايين عراقي كانوا في السابق يترددون في دعم المتمردين لكنهم تحولوا الآن صوبهم بسبب شعورهم بفقدان الأمل في وجه الميليشيات الشيعية المدعومة بقوة من العراقيين الشيعة البالغ عددهم 15 مليون نسمة.
وأشارت أرقام مشروع مؤشر العراق الذي أسسه مركز بروكينغز في واشنطن إلى
أن أرقام وزارة الدفاع الاميركية البنتاغون الرسمية عن عدد هجمات المتمردين السنة منذ ديسمبر الماضي حتى فبراير الماضي لم تبق مرتفعة فحسب، بل حافظت على عددها ونوعيتها.
وجاءت أرقام البنتاغون لتشير إلى وقوع 75 اعتداء يومياً خلال الأشهر الثلاثة ومعظمها جاءت قبل التفجير الدموي للمسجد المذهّب في سامراء.
وهذا يشير إلى أن المحللين في البنتاغون والقوات الأميركية في العراق كانوا يسجلون مستوى عاليا من الهجمات خلال الأشهر الثلاثة لكنهم لم يكونوا قادرين على معرفتها جميعها أو أنهم لم يبلغوا بوقوع اعتداءات أخرى رسمياً، وبالتالي شعروا بضرورة تدوير الأرقام بسبب افتقارهم إلى المعلومات الإستخبارية.