لا يزال الحكم على نتائج غزو العراق مبكراً والوقت وحده كفيل بالقول ما إذا كانت تصرفات الرئيس جورج بوش مقبولة ومبررة أم أنه ارتكب خطأ سياسياً فادحاً.

غير أن ما هو واضح أن الرئيس جورج بوش على وشك اتخاذ قرار سياسي كبير

لن يكون أمام المؤرخين والسياسيين الحاجة للانتظار للحكم عليه وهو دعوة إيران للتفاوض معها حول مستقبل العراق.

ومثل هذا القرار يعترف بإيران كقوة أمر واقع سياسية في الشرق الأوسط ويعطي شرعية لنظام آيات الله الديني في إيران. كما إنه يسير ضد المنحى السياسي الحالي الراغب في تشجيع التغيير في هذا الإطار ويقوّض جهود قوى المعارضة الإيرانية.

وكما يشير أمير طاهري المتخصص في الشؤون الإيرانية، فإن هذه دعوة واشنطن للحوار مع ايران بشأن العراق مشابهة لدعوة الحلفاء في نهاية الحرب العالمة الثانية سويسرا أو بولونيا للتفاوض معهما بشأن تقرير مستقبل ألمانيا.

وحذّر طاهري من أن دعوة إيران إلى مثل هذه المباحثات قد تكون خطأواشنطن الكبير الأول. بالطبع سيكون هناك من سيقول إن هذه الفكرة هي خطأمن سلسلة الأخطاء المتكررة التي ارتكبتها الإدارة الحالية في شن الحرب وبالتالي في جهودها الهادفة إلى جلب السلام إلى العراق.

وبدءا من المبرر الذي أعطي لشن الحرب، فإن سوء إدارة الفترة التي تلت

مباشرة انتهاء العمليات العسكرية الكبرى والتي أوصلت العراق إلى المرحلة الحالية التي يواجه فيها احتمال نشوب حرب أهلية، والسماح لإيران بالحصول على موطئ قدم في العراق، تجعل من المنطقي التساؤل أين تكمن الأخطاء الأولى للإدارة الأميركية.

ومرة أخرى، قد يقول المؤرخون إن الخطأ الأول ارتكبه الرئيس الحادي والأربعون للولايات المتحدة والد الرئيس الحالي، عندما اختار عدم استغلال الفرصة الأولى المناسبة للإطاحة بصدام حسين في حرب الخليج الأولى في العام 1990.

وفي ذلك الوقت، كانت جميع عناصر سقوط صدام حسين متوفرة. كل ما كان

يحتاجه الأمر هو المزيد من الضغوط إلى جانب اندفاع قليل من قوات التحالف.غير أنه وفي استعادة للأحداث الماضية، فمن الممكن القول إن التاريخ لم يكن منصفاً مع جورج بوش الأب، ولم يقر بحكمته ورؤيته المستقبلية.

قد يكون تنبأ بماهية الفوضى التي يمكن أن تقع في العراق بمجرد الإطاحة بصدام، واختار جورج بوش الأب أن يدع الأمور تسير على ما هي عليه وسمح لصدام بالبقاء في السلطة.

والحرب على العراق مع الفراغ في السلطة الذي أنتجته، سمح لإيران بتأسيس

موقع نفوذ من خلال الأحزاب والميليشيات المناوئة لها. وقرار دعوة طهران

للتباحث في مستقبل العراق سيعزز من نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية

في العراق.

ويشير طاهري إلى أن هذا الأمر سيفتح أمام إيران ممراً استراتيجياً "تتمكن من التواصل عبره مع سوريا ولبنان اللتين تعتبرهما جزءا من مداها الحيوي".

ويعتبر طاهري أنه ما أن تثبت إيران قوتها في العراق كما فعلت في سوريا ولبنان »فإنها ستكون قادرة على مد نفوذها في الشرق للمرة الأولى منذ

أوائل القرن السابع حين امتدت الإمبراطورية الفارسية في عهد كسرى ابرويز الذي تمكن من طرد البيزنطيين من بلاد ما بين النهرين ومن الأراضي التي تعرف اليوم باسم سوريا«.

وترغب طهران جداً برؤية التاريخ يعيد نفسه وأن يرى البيزنطيون الجدد (الأميركيون) يندحرون من بلاد ما بين النهرين. واللغز كما يقول طاهرى هو »لماذا تريد واشنطن إعطاء طهران موقعاً على الطاولة الرئيسية في العراق؟«. ومرة أخرى، سيكون الجواب موجوداً في كتب التاريخ.