تختلف الانتخابات التشريعية الاسرائيلية التي تنطلق اليوم، عن مثيلاتها في السابق، اذ ان السمة الرئيسية التي تميزها هذه المرة، هى اصرار المتنافسين الكبار فيها، على حسم الصراع مع الفلسطينيين بشكل منفرد، والتسابق على تنفيذ « فصل أحادي ثان» يقوض أي أساس لقيام دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافيا، ويسقط كل الملفات العالقة مثل حق العودة للاجئين وضم القدس والمياه.
لم يكن غريبا حقا، التصريحات الكثيرة التي أطلقها زعماء حزب كاديما المرشح الأوفر حظاً للفوز في انتخابات الكنيست الاسرائيلي « البرلمان » وبالأخص زعيمه ورئيس الوزراء الاسرائيلي بالوكالة ايهود اولمرت.
والتي أعلن فيها مرارا عن اعتزامه اللجوء إلى رسم حدود اسرائيل الدائمة على نحو احادى الجانب ووفق المقاييس التي يراها مناسبة لضمان « أمن إسرائيل » على حد تعبيره.
فاولمرت الخارج لتوه من الظل السياسي لرجل اسرائيل القوى ارييل شارون القابع في غيبوبة منذ يناير الماضي، مازال مأخوذا بخطوة شارون في الانسحاب الاحادي من قطاع غزة بعد 38 عاما من الاحتلال.
ويرى في هذا النموذج الحل الانسب ـ من وجهة نظره ـ لتصفية القضية الفلسطينية من جذورها والى الأبد، عبر تنفيذ انسحاب احادي ثان في الضفة الغربية، يضمن ضم الكتل الاستيطانية الكبرى والقدس الشرقية واغلاق ملف عودة اللاجئين والسيطرة مصادر المياه في الضفة.
ويفتح شهية اولمرت لتنفيذ هذا السيناريو االكثير من الامور، يأتى في مقدمتها، فوز حركة المقاومة الاسلامية «حماس » في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الاخيرة.
وصعودها إلى سلم السلطة، بأجندتها الرافضة للاعتراف باسرائيل، الامر يسهل - وفق تصور اولمرت - القيام بهذه الخطوة، عبر ترديد سيمفونية عدم وجود شريك يشاركه رقصة « التانغو» الشهيرة في البحث عن السلام المفقود.
كذلك يحاول أولمرت، استغلال الظرف الدولى الراهن، وبالأخص الانشغال الأميركي في العراق، والسعي إلى تحويل «وديعة بوش » التي قدمها فيما مضى لشارون إلى حقيقة على الارض، وهى الوديعة التي ترى اى تسوية على مقبلة لابد ان تأخذ في الاعتبار « الوقائع الجديدة على الارض »، والتي تعني صراحة «ضوء اخضر » لضم الكتل الاستيطانية غير الشرعية في الضفة الغربية.
يضاف إلى ذلك ان اولمرت ومنافسيه في هذه الانتخابات، يرون ان الضعف العربي الذى بلغ مداه في هذه المرحلة، وبالاخص بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة، والتي وضعته في «قفص الاتهام » وحاصرته بالضغوط الغربية.
لن يقف «حجر عثرة » في وجه المخططات الإسرائيلية، الرامية إلى تفصيل تسوية عل مقاس الدولة العربية، نظرا إلى افتقاده لوسائل التأثير على اسرائيل وكذلك على الولايات المتحدة، التي تطالبه بثمن لا يستطيع الوفاء به خاصة في ملفي العراق والإصلاح الداخلي.
وبالتالي تصبح الفرصة سانحة من وجهة النظر الاسرائيلية للقيام به الخطوة الحاسمة نحو طي ملف الصراع بالشكل الذى يلائم اطماع اسرائيل في السيطرة على الأرض الفلسطينية والعربية.
من هنا كان لافتا التصريحات التي أدلى بها اولمرت لصحيفة « يديعوت احرونوت » الاسرائيلية يوم الجمعة الماضى ،والتى قال فيها صراحة إنه «يمكن قيام دولة فلسطينية ضمن الحدود التي سنمليها على الفلسطينيين ومن دون إلغاء خياراتنا العسكرية في المستقبل في كل الضفة الغربية للدفاع عن أنفسنا من الإرهاب». وأضاف إن « حدود إسرائيل ستتقرر بعد إخلاء مستوطنات بتوافق إسرائيلي داخلي ودعم دولي ».
وهذا الكلام يعني بوضوح تام ان حدود الدولة الفلسطينية، ستكون وفق المقاييس الإسرائيلية، وليس استنادا إلى قرارات الشرعية الدولية إلى تم إسقاطها من اجندة تل ابيب لصالح خطة الفصل التي يعتزم اولمرت تنفيذها.
وتنص هذه الخطة على« تجميع مستوطنات في مجمعات استيطانية خلف الجدار العنصري الذي سيشكل حدودا للدولة العبرية، وكذلك على تفكيك عشرات المستوطنات المعزولة في الضفة الغربية التي يعيش فيها اكثر من 80 الف مستوطن من اصل 250 الفا يقيمون في هذه الارض الفلسطينية عدا القدس الشرقية التي احتلتها اسرائيل منذ العام 1967 ».
ويبدو ان خطة اولمرت لاتقتصر فقط على تصورات يتم تطبيقها مستقبلا ،بل بدأ جيش الاحتلال بالفعل تنفيذها على ارض الواقع، حيث ضاعف من قيوده على حركة الفلسطينيين في الضفة، الأمر الذي أدى إلى نشوء عشرات الجيوب المغلقة والمعزولة عن بعضها البعض على الرغم من تواصلها جغرافياً.
وفى هذا الاطار تقول صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن «الحواجز الثابتة والمتنقلة وإغلاق الطرقات بعوائق طبيعية وإنشاء الجدران على طول الطرق الرئيسية وتقييد حرية تنقل الفلسطينيين في طرق بطول الضفة وعرضها أدت إلى قطع اتصالات السير المباشرة بين مناطق الضفة».
أضافت: «وهكذا نشأ في الضفة واقع جغرافي واجتماعي واقتصادي جديد لا يتم التعبير عنه في الخرائط العادية وفي الحوار الإسرائيلي والدولي، وأدت هذه الممارسات الإسرائيلية إلى إغلاق مئات مخارج البلدات الفلسطينية إلى الشوارع الرئيسية والمنطقية».
فى اطار هذا كله، يتبين ان الصراع الاسرائيلي الفلسطيني يقترب من دخول مرحلة جديدة كليا لم يعهدها من قبل.. مرحلة تحتل فيها «الاملاءات الاسرائيلية » مرتبة متقدمة، لتتواري خلفها القرارات الدولية، لتصبح أثراً بعد عين، خاصة اذا لم يتعظ الجميع ويتنبهوا جيدا لمخاطر الحل الأحادي للصراع.
كتب خالد سيد أحمد:
